في عام 2009، ولِدَ في الجزائر مهرجان موسيقي يستحق المتابعة والدعم بعدما أمّن استمراريته ليصل إلى دورته السابعة التي تنطلق مساء اليوم. إنّها المرّة الأولى التي نتناول فيها هذه التظاهرة الفنية ذات المروحة العالمية لناحية الفرق المدعوّة، لذا من المفيد قول ما لـ «المهرجان الثقافي العالمي للموسيقى السمفونية» وما عليه. صحيح أنّ بلداً غارقاً في النفايات لا يجوز له ــ مبدئياً ـــ تسجيل ملاحظات على بلدٍ آخر، لكن الشعور بالانتماء إلى الوطن العربي يفرض ممارسة حرص دائمٍ على هذا البلد أو ذاك، كلٌ من موقعه.


هذا الحرص لا يجوز إطلاقاً أن يجنح صوب المديح المبالغ فيه، ولا يفيد بشيء إن اقتصر على سرد نقاط القوّة، بل عليه أن يضع في الميزان جميع العناصر، بهدف التعجيل في إفراغ دفّة السلبيات، لصالح دفّة الإيجابيات مستقبلاً.
إذاً، عشية انطلاق «المهرجان الثقافي العالمي للموسيقى السمفونية» في الجزائر العاصمة، نتناول هنا باختصار فعاليات دورته الحالية التي تمتد على ثمانية أيام. قبل ذلك، نعرض بعض النقاط التي تخص المهرجان بشكل عام. في البداية، وبالعودة إلى الدورات السابقة، نلاحظ الآتي: أولاً، جميعها متقاربة من حيث البلدان المستهدفة (أوروبا، بعض البلدان العربية، البلدان الآسيوية الأساسية وأحياناً بلدان أفريقية وأميركية لاتينية). ثانياً، الأغلبية الساحقة من الأمسيات تطال الموسيقى الكلاسيكية الغربية بكل أشكالها، وبعضها يقدّم الموسيقى التراثية في إطار تقليدي أو كلاسيكي. ثالثاً، يدعو المنظمون الأسماء المغمورة (جداً) عالمياً، وتكاد تغيب الأسماء المكرّسة، أكانت نجوماً صاعدة أم شخصيات مخضرمة أم فرقاً معروفة.


سوريا أول المشاركين وبعدها تونس ومصر، فيما يغيب لبنان
رابعاً، بالاستناد إلى برامج أمسيات الدورة المرتقبة (لتعذّر الرجوع إلى أمسيات السنوات السابقة)، يلاحَظ أنها تلعب دوراً تثقيفياً شاملاً (أعمال من كل الأشكال الموسيقية والحقبات والمصادر) تجاه الجمهور غير الملمّ بالكلاسيك، لكنها تستهدف أيضاً «السمّيعة» الجدّيين بجزء منها. هذه الفئة التي تعرف الربرتوار جيداً لن يهمّها كثيراً أداء عملٍ معروف من قِبَل أسماء مغمورة، إذ قد تكتفي بالاستماع إلى تسجيلات تاريخية أنجزتها أساطير. لكن قد يهمّها التعرّف إلى أعمال نادرة بصرف النظر عن مستوى الأداء، رغم احتمال أن يكون متواضعاً. أخيراً، بعد الجزائر، الدول العربية الأكثر حضوراً هي سوريا وبعدها تونس ومصر، فيما يغيب لبنان كلياً عن المهرجان منذ انطلاقه.
الاستنتاج الذي نخرج فيه بعد هذه اللمحة العامة أنّ «المهرجان الثقافي العالمي للموسيقى السمفونية» لا يشبه أمثاله في البلدان العربية، إذ تختلف عنه في تركيزها على أسماء الصف الأول (مهرجان أبو ظبي للفنون) أو في تنوّعها لناحية الأنماط الموسيقية بما فيها الكلاسيك (بعض المهرجانات اللبنانية).
من جهة ثانية، يتمحور المهرجان الجزائري حول «أوركسترا الجزائر السمفونية الوطنية»، ما من شأنه تطويرها وإكسابها خبرات إضافية. وهذا لا يمنع دعوة فرق أوركسترالية عربية وأوروبية وغيرها. لكن هل يجوز حصر المهرجان تحت مسمّى «الموسيقى السمفونية»؟ قطعاً لا. الموسيقى السمفونية لا تشكل ــ منذ الدورة الأولى ـــ إلا جزءاً من البرنامج (إلى جانب موسيقى الحجرة والأوبرا والغناء وغير ذلك). لذا، فالتسمية الدقيقة التي لا مبالغة فيها ولا غموض هي: مهرجان الجزائر العالمي للموسيقى الكلاسيكية. هذا يدلّ على البلد المضيف (الجزائر — وهذا لا يلحظه الاسم الحالي) وتنوّع البلدان المشاركة (الصفة العالمية) والفنّ المستهدف (الموسيقى) والفئة المحدّدة (الكلاسيك). أيضاً، وفي سياق النصائح التي يمكن أن نسديها للمنظمين، نشير بمحبّة إلى أن تطوير موقع المهرجان الإلكتروني ضرورة قصوى، لما له من أهمية (في هذا الزمن) في إظهار مهنية التنظيم. كما نقترح تطعيم البرنامج باسم أو اثنين من الشخصيات الموسيقية المكرّسة، ما يشكّل رافعة للمهرجان على المستوى العالمي وما يدفع الجمهور الباحث في الموسيقى الكلاسيكية (وكذلك الصحافة العربية والعالمية) إلى الالتفات إلى المهرجان بمجمله. على سبيل المثال، دعوة Orchestre Lamoureux الفرنسية المرموقة هذه السنة خطوة جيدة في هذا الاتجاه، يجب تثبيتها والبناء عليها. وبالمناسبة، هذا ممكن مادياً، إذ تضم ليالي المهرجان ثلاث أمسيات متتالية غالباً، بالتالي يمكن توفير أجر ثلاث فرق لدفع أجر مرتفع قد يطلبه عازف بيانو واحد كبير.
إذاً، لن نستطيع الدخول في تفاصيل هذه الدورة التي تنطلق الليلة وتختتم (19 الجاري) مع «أوركسترا الجزائر السمفونية الوطنية» بقيادة المايسترو أمين قويدر، مع الإشارة إلى أنه تمّ تدعيمها للمناسبة بموسيقيين من جنسيات مختلفة، أبرزهم من تونس وسوريا وبريطانيا وإسبانيا. هكذا، يمكن مراجعة موقع المهرجان على الإنترنت لتفاصيل البرنامج والأسماء المشاركة في الأمسيات التي يستضيف جميعها ”المسرح الوطني الجزائري“، بالإضافة إلى الأنشطة الأخرى التي تقام على هامش المهرجان.

festivalsymphoniquealger.com