التدفق الهائل للصور والفيديوات المأسوية للاجئين السوريين إلى أوروبا، تظهر من جهة حجم التراجيديا الإنسانية للهاربين من الموت في بلادهم، وتكشف من جهة ثانية حجم التعامل اللاأخلاقي والمُدان معهم لدى توقفهم في محطات إجبارية للعبور إلى القارة العجوز. كل هذا النقل للتغريبة السورية عبر نشر الصوت والصورة لا يمكنه أن يوازي ما قد يراه الإنسان بعينه المجرّدة هناك.


مراسل «الميادين» موسى عاصي الذي يرافق رحلة اللاجئين السوريين من الحدود المقدونية، وصولاً إلى صربيا، لم يستطع أن يحتمل المشاهد القاسية. خانته دموعه أثناء رسالة له على الهواء أوّل من أمس من الحدود الصربية ــ المقدونية. طأطأ عاصي رأسه باكياً، إذ لم يصدق ما يشاهده أمام عينيه ويمرّ به هؤلاء اللاجئون. قال في هذه الرسالة: «الوضع مؤلم هنا، الأطفال يسيرون مسافات طويلة مع عائلاتهم وحمولاتهم الثقيلة. السلطات الصربية سمحت لهؤلاء بالدخول إلى أراضيها، ومع ذلك لم توفّر لهم أي وسيلة نقل تساعدهم على قطع هذه المسافات». أمام العذابات، طغت الرسالة الإنسانية على مهمته المهنية.


يتحدّث مراسل «الميادين»
موسى عاصي عن غياب المراحيض العمومية

في اتصال مع «الأخبار»، ينقل لنا الصحافي اللبناني مشاهداته من نقطة وجوده على الجانب الصربي من الحدود، مؤكداً أن السوريين يقفون في طوابير للاستحصال على ورقة من السلطات الصربية تلزمهم بعدم مغادرة أراضيها. وفي حال غياب هذا الإذن، يتعرّض اللاجئ لعقوبات. ويضيف عاصي: باتت ملاجئ هؤلاء الشوارع والأرصفة، في ظل غياب المراحيض العمومية ووسائل النظافة، وإمكانية تفشي الأوبئة: «لا يوجد صليب أحمر... أغلب اللاجئين هم من العائلات التي تضم نساءً وأطفالاً، حتى إنّهم لا يأكلون كي يتجنبوا الاضطرار لقضاء حوائجهم».
تأثر عاصي على الهواء بما عايشه من مأساة حقيقية، انسحب أيضاً على أحد ضيوف «حديث 2015» على القناة عينها. لدى مداخلة عضو مجلس الشعب السوري شريف شحادة مع الإعلامية لانا مدور بخصوص قضية اللاجئين السوريين والظلم الذي يتعرضون له، غصّ النائب بدموعه على الهواء، لدى تذكّره تاريخ سوريا الحضاري والهجمة التي تتعرّض لها إلى جانب بلدان أخرى. هذه الدموع الصادقة التي لا بد أن يذرفها أي مشاهد أمام معاملة القادمين إلى أوروبا بذلّ واحتقار وافتقار لأي معيار إنساني. آخر الأشرطة المسربة كان من مخيم «روسكي» على الحدود المجرية ــ الصربية، سرّبته إحدى الناشطات النمسويات. يظهر الشريط أعداداً كبيرة من اللاجئين يتدافعون في ما بينهم بغية الحصول على حصص غذائية كانت ترمى من قبل الشرطة المجرية في الهواء، فيما يحاول لاجئون آخرون تسلّق السياج علّهم يستحصلون أيضاً على بعض الطعام.
وفي وقت تتظهر فيه وحشية بعض دول أوروبا الشرقية، دخلت السعودية على هذا الخط مستغلة معاناة السوريين. وفيما طُرحت في الأيام الماضية إشكالية عدم استقبال دول الخليج لـ«أشقائهم» السوريين، سارع موقع «العربية نت» إلى الترويج لفتاة سعودية تدعى زهور عسيري، شكّلت «فريقاً تطوّعياً من أجل مساعدة اللاجئين، ومدّهم بالطعام والملابس في بودابست». قصة ذكّرتنا بخيرات المملكة على سوريا وتسليع أطفالها!