القاهرة ــــ محمد خير

قد لا يكون الشيخ إمام قد سمع بالكومبيوتر أبداً. الشبكة العنكبوتيّة بدورها كانت لا تزال شيئاً غامضاً عند رحيله. في لقاء افتراضي مع «عم إمام» في العالم الآخر، سنحتاج جهداً كبيراً لنشرح له شعبيته الكبيرة على الإنترنت. فقد تحوّل «يوتيوب» ــــ تلفزيون المستقبل ــــ إلى مرآة لتراث بدّدته السلطات ووسائل الإعلام المهيمنة. ولئن ظلّت أغنيات إمام ممنوعة في معظم العالم العربي، وخصوصاً في بلده، ها هي المبادرات الفرديّة على الإنترنت تعيدها إلى الوجود.
ثمّة سر غامض يجعل تلك الأغنيات عابرةً للزمن. ليس كلماتها «الفاجومية» فحسب، بل سحرٌ خاص في ألحانها وصوت مؤديها «المشايخي». صوت تسهل نسبته إلى مدارس شيوخ التلاوة القرآنية والتواشيح، مع قرابته الواضحة من أصوات مثل زكريا أحمد وسيد مكاوي. الأول تبنّى إمام في فرقته قبل أن يطرده منها، والثاني قيل إنّ إمام علّمه قبل أن ينكره تلميذه. لكنّ إمام استقى الأصول الموسيقية من الشيخ درويش الحريري. من تحت عباءة هذا الأخير، خرج سيد درويش ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي. لم يتعلم إمام من الحريري أصول الموسيقى فقط، بل أيضاً الانحياز المطلق للمدرسة الشرقية في التلحين، بخلاف تيار تغريبي كان زعيمه عبد الوهاب.

ظلّت أغنياته ممنوعة في مصر ومعظم العالم العربي
يصعب مقارنة الشيخ إمام كموسيقيّ، بأسماء أولئك العمالقة. ذلك أنّ صاحب «يا فلسطينية» لم يقدم نفسه يوماً كحالة موسيقية بحتة. هو حالة جمعت اللحن بالكلمات المعبّرة عن أشواق لحظة تاريخية. وقبل ذلك وبعده، هو إرادة دفعت ثمن تمثيلها لتلك الأشواق سجناً واعتقالاً وجوعاً. هكذا، سكن في واحد من أفقر أحياء القاهرة، «حوش قدم»، بعدما وصله قادماً من الريف وهو في السادسة عشرة، وعاش فيه حتى رحيله عن 77 عاماً. ستة عقود أمضاها إمام في حارة واحدة. أمّا شهرته فلم تبدأ إلا بعد النكسة. أي إنّه بدأ حياته كما نعرفها وهو في الخمسين. ومنذ ذلك الحين، أقام علاقة وطيدة مع السجون المصريّة، حتى بعد اغتيال السادات. إمام الذي طرد طفلاً من الدراسة في الجمعية الشرعية لأنه ضبط يستمع إلى الراديو في المقهى، لم يكن يستمع يومها سوى إلى تلاوة الشيخ محمد رفعت.
التلاوة التي تعلم أصولها أثناء الدراسة، والمقامات الشرقية والموشحات التي تعلّمها من الشيخ الحريري، وعزف العود الذي تعلمه على يد كامل الحمصاني... زد على كلّ ذلك أصوله الريفيّة، وتشرّده في الشوارع، وسنوات صحبته للمشايخ والفقهاء والعمل في بطانة زكريا أحمد... تخرج بتفسير محتمل لما تكتنفه أعمال الشيخ من مخزون موسيقي وحياتي هائل.
قد لا يكون الشيخ إمام في نظر بعضهم موسيقياً عظيماً، لكنّ خفة ظلّه، وفهمه للحن التعبيري، إضافةً إلى الروح التي مثّلها والكلمات التي تغنى بها، منحت تجربته ثقلاً لم يخفت في زمن الـ «يوتيوب».