الجزائر ـــ سعيد خطيبي

الجزائر العاصمة مدينة تغلق أبوابها باكراً لتختلي بنفسها. تداعب صمتها وتمارس عادات وطقوساً ليلية. تحرس أحلام شباب يبحث عن حياة أخرى وأوهامهم. شباب يستمع إلى صوته في بعض الأغاني، الممنوعة من وسائل الإعلام الرسمية، كونها تفضح خبايا الحياة السياسية والعادات الاجتماعية السائدة.
الأغنية السياسية الملتزمة في الجزائر، تجد نفسها اليوم ضحية «تعسف» السلطة الحاكمة التي تحتكر سوق الإعلام وتتجاهلها رغم أنّها امتداد لمسيرة أغنية برزت خلال النصف الأول من القرن الماضي.

تقول خلاصو الرجال... قل لي وش عملنا بالاستقلال؟
يعتبر رشيد قسنطيني (اسمه الحقيقي رشيد بن لخضر ــــ 1887 ــــ 1944) أحد رواد الأغنية السياسية في الجزائر. اشتهر باستعادة ألحان أغان قديمة شهيرة وإعادة توزيعها مع كلمات ناقدة للنظام الكولونيالي الفرنسي، محملاً إيّاه مسؤولية الوضع المزري الذي عرفه الشعب الجزائري آنذاك. ينسب إليه الباحثون أسبقية تأسيس نمط «الأغنية السياسية السّاخرة» التي انساق إليها المغني محمد توري (اسمه الحقيقي محمد بن عاسي (1914 ــــ 1959). ويعتبر هذان الاسمان من الرعيل الأول لنمط غنائي سمح ببروز أجيال متعاقبة تكشف عن التزام بكشف سلبيات السياسة الكولونيالية. وقد مسّ الخطاب نفسه الأنماط الغنائية المختلفة، وخصوصاً الأغنية البدوية في الخمسينيات، ممثلة بالشيخة الريميتي (1923 ــــ 2006) التي تجرأت عام 1956، على انتقاد الحكومة الفرنسية، في أحد الكباريهات في مدينة وهران. والحال نفسه مع الشيخ المداني وخيرة قنديل الذين سخّرا صوتيهما لنقل هموم الشرائح الاجتماعية المضطهدة.
مع اندلاع الثورة التحريرية (1954)، حاولت جبهة التحرير الوطني توظيف الموسيقى في خدمة قضيتها، ووجدت لاحقاً في صوت وردة (71 سنة) سبيلاً لتمرير رسائلها. والتحق بها، في نهاية الستينيات، المغني رابح درياسة الذي تندرج أغانيه في خدمة شعارات الحزب الحاكم.
شهدت السبعينيات والثمانينيات، ركوداً على مستوى الانشغالات الجماهيرية. ومع ولوج البلد حالة فوضى تجسدت في اغتيال الرئيس محمد بوضياف (1992) وتطوّر نشاط الجماعات الإسلاموية وبروز العمليات الإرهابية واغتيال المثقفين، برزت حساسيات جديدة على صعيد الأغنية السياسية وانتشار الراب.
يمثّل بعزيز (عبد العزيز بختي ــــ 47 سنة) أهم اسم في مجال الأغنية السياسية في أواخر الثمانينيات. بعزيز الذي يعيش اليوم في شبه عزلة، ممنوعاً من الظهور على التلفزيون، يعتبر نفسه امتداداً للراحل رشيد قسنطيني. ويعتقد أن الأغنية التي منحته مشروعية أكبر لدى الشباب هي Je m’en fous التي يقول فيها: «تقول خلاصو الرجال.. رمونا كامل في la poubelle قل لي وش عملنا بالاستقلال؟». من بين الأسماء التي تحاول أن تجمع بين الإبداع الموسيقي، والالتزام بالراهن السياسي، نذكر أمازيغ كاتب (نجل كاتب ياسين) الذي أدى أغنية «يا لايمي» وانتقد فيها سياسة الحكومة في تسيير الملف الأمني خلال التسعينيات.
تسعى الأغنية السياسية الملتزمة في الجزائر إلى أن تجد مكاناً لها، من خلال مواصلة العمل، ولو ببطء، متكئة على تفاعل الفئات الشبابية، والإيمان بصدقية رسالتها.