عن «قصور الثقافة» في مصر، صدرت مختارات للشاعر اللبناني، بعنوان «تقاسم الصمت»، مطبوعة بميل ميتافيزيقي يجمعه بتجارب جورج شحادة وصلاح ستيتيه...


حسين بن حمزة
لعلّ صلاح ستيتيه عثر على التوصيف الصائب حين قال عن كتاب «عين السراب» لعيسى مخلوف: «إنه كتاب شفاف ومرتعش. كتاب الساعات على غرار كتاب الصلوات في القرون الوسطى، كتاب اللحظات الضائعة، لكن التي جُمعت عبر الكتابة قبل لحظات من أفولها». شهادة مثل هذه تنتقل عدواها بسهولة إلى القارئ وهو يطالع المختارات الصادرة لمخلوف بعنوان «تقاسُم الصمت» ضمن سلسلة «آفاق عربية» («الهيئة العامة لقصور الثقاف» ــــ مصر). يضم الكتاب مختارات من ثلاث مجموعات سابقة هي: «عين السراب» (2000)، و«عزلة الذهب» (1992)، و«رسالة إلى الأختين» (2004)، إضافة إلى مختارات من مخطوطة شعرية بعنوان «زرقة ما قبل الفجر».
ننتبه إلى ميل جليّ لدى صاحب «نجمة أمام الموت أبطأت» إلى عناوين تشبه مناخات نصوصه وأجواءها. السراب والعزلة ترجمتان مناسبتان لصفة التأمل الطاغية في ممارسات الشاعر، وهو ما يظهر أيضاً في عنوان المختارات نفسها. العنوان هنا يستجيب لمعاني الشفافية والرعشة واللحظات الضائعة. إنها دعوة حميمة لتقاسم الصمت مع القارئ. نادراً ما يعلو صوت النص في تجربة مخلوف. كأنه يأخذ فكرةً أو مشهداً ثم يلغي الصوت أو الضجة التي يمكن أن تصدر حصيلة ذلك.

جملة غير خاضعة لأي تهويلات عاطفية ولغوية
لنقرأ: «في المساء، يقفل متحف «لاكاديميا» في البندقية/ تنطفئ الأضواء على لوحة جيورجيوني/ اللوحة في الظلام/ يرفُّ جفن العذراء التي تدركُ أن وليدها سيموت/ تُخرج له ثديها». إنّها قصيدة صامتة تماماً لولا النأمة الخفيفة في الخاتمة التي تُسرِّب الشعر إلى السطور كلها. في قصيدة أخرى بعنوان «الغروب»، نستطيع معاينة الحصيلة نفسها: «ينحنيْنَ هناك/ في غفلة الغروب/ يبحثنَ عن مفاتيح/ اللواتي يتحركْنَ في البُعد/ كشعلةٍ متمايلة/ لا نعرف هل يسكبْنَ الماء في النهر/ أم يأخذْنَ النهرَ إلى النهدْ». المعنى هنا يتحقق في إغراق المشهد في الظل والغياب والصمت. هكذا، نعود مجدداً إلى صفة الصمت.
الصمت هو أحد المكونات الجوهرية في تجربة هذا الشاعر اللبناني الذي نحا منذ البداية إلى جملة خافتة وملمومة على نفسها. جملة تمكثُ عنده هو أكثر من إسراعها إلى القارئ. جملة غير خاضعة لأي مبالغات أو تهويلات عاطفية ولغوية. الشاعر مشغول بتقطير الأفكار والحوادث الحياتية إلى مادة أكثر خلوداً. مادة مصنوعة من عناصر حُلمية أو ميتافيزيقية.
هناك رغبة دائمة في أخذ الواقع والأسئلة الإنسانية البسيطة والملموسة إلى فضاء التأمل والتأني، والتلذذ بتحويلها إلى نصوص عابرة للحدث، أو السبب الزمني الذي كتبت من أجله. كأن المفردات والصور تتخلى عن وظائفها الفورية المباشرة وتكتفي باحتمالاتها الإيحائية والسرية. ثمة ضوءٌ وظلال في هذه النبرة. لا يعلو صوت المفردات وهي تتجاور داخل الصور والتوريات المتنوعة التي تزخر بها نصوص عيسى مخلوف. نتعمَّد أن نقول إنها نصوص، لأن الشاعر نفسه اهتدى في كتابيه الأخيرين إلى كتابة متفلتة من ضغط الكثافة والاختزال في القصيدة، وبات مرتاحاً لإنجاز كتلة نصية على سطور كاملة، مستفيداً من السرد والاستطراد والشرح.
الكتلة النصية تجعل الشاعر مرتاحاً أكثر في استثمار نبرته التي تمزج العابر بالجوهري أو تستخلص الجوهري من العابر. نحس أن الشاعر لم يتخلَّ عن سماته السابقة، ولكن جملته صارت مرنة أكثر. لا يزال التأمل استراتيجية مفضَّلة لديه، وهي قادرة على تغذية نصوصه بالصورة المبتكرة. أحياناً تكون الطبيعة مادة هذه الصور: «أشعر أن ذلك الجبل الذي يؤلّف زاويةً مع جبل الشربين المحاذي له هو الذي يمسك بالبلدة الساكنة عند سفحه، بلدة الصيف هي، ولولاه لانحدرت وسقطت في الوادي».
مع الطبيعة، تكتمل الدائرة التي يتحرك فيها الشاعر. وهو ما يسمح لنا بالتقاط صلة ما مع تجارب لبنانية أخرى، وخصوصاً تلك المكتوبة بالفرنسية. الميل الميتافيزيقي والتأملي يُنشئ فجوات يتسلل إليها جورج شحادة وصلاح ستيتيه وآخرون. هناك دوماً تلك الرغبة في جعل المعنى مفتوحاً وغامضاً في آن واحد، حيث: «تعود السفن إلى الشاطئ هامدةً/ أولئك الذين بلغوا الضفة الأخرى/ ينظرون إلينا ويضحكون»، أو: «الشجرةُ التي تملأ السماء/ مقرُّ الغياب/ حين نصعد إليها/ نكتشف أن أحداً لم يمت/ أن أحداً منا لم يولد». إنّه سؤال الكينونة البشرية وقد تعرَّض لسؤال الشعر، إذْ «من يبلغ أقصى الحدود لا يعود يكتب بل يشتعل ويضيء».