لا تختلف نبرة فؤاد رفقة في مجموعته الجديدة «تمارين في الهايكو» (دار نلسن)، عما اعتدناه في أعماله السابقة. الشاعر الذي مال منذ بداياته في مجلة «شعر» إلى لغة تسعى إلى ملامسة المطلق، يجد في الهايكو فضاءً إضافياً لقصيدته التي تتجوَّل بين مفردات الزمن والكينونة والطبيعة والتأمل. لقد شغف صاحب «أنهار بريّة» بالشعر الألماني الممزوج بالفلسفة، ووجد فيه ما يلبي مزاجه وحساسيته. بطريقة ما، يمكن القول إنّ الهايكو والشعر الألماني محكومان بروحية قائمة على التأمل والتركيز والكثافة. ثمة إشارة في نهاية المجموعة إلى أن «التمارين» كتبت في برلين. لعل هذا يعزّز التقارب المقصود بالمعنى الجغرافي أيضاً. كأن فؤاد رفقة يسرّب لغته إلى القالب الشكلي للهايكو، فيجد حفاوةً وترحيباً جاهزين، ولا يشعر بأي غربة.

لا تزال قصيدة الشاعر اللبناني محتفظة بخفوتها القديم وسكينتها الداخلية. الفرق الوحيد هنا أن الهايكو يشترط استخدام أقلّ ما يمكن من الكلمات. قصيدة مثل «دائمُ السفر/ وفي مكانه يبقى/ شاعرٌ وقصيدة»، تلخّص الممارسة المطلوبة، حيث الكتابة نبشٌ عن المادة الأبدية في المرئيات العابرة للحياة. إنّها محاولة لوضع الشعر والفلسفة تحت سقف واحد. الاختزال هو سيد اللعبة الشعرية القائمة على التقاط فكرة صغيرة أو مشهد متكرّر، واستخلاص معنى جوهري منها.

قصيدة محتفظة بخفوتها القديم وسكينتها الداخلية
هناك مسعى إلى تخليد الوجود البشري الهش أمام أبدية الزمن والحياة. لكن إلى أي حد ينجح الشاعر في إنجاز ما هو مدهش ونضر؟ تضمّ المجموعة مئة واثنتين وثلاثين قصيدة متفاوتة الجودة. هناك قصائد وُفِّق صاحب «عودة المراكب» في إنجازها، كما هي الحال في: «تحت أقدام المشاة/ يتكسر الورق/ الخريف يئنّ»، أو: «خارج المياه/ أبداً ترقص السمكة/ الموت يحب الرقص»، وأيضاً: «بعد شتاءٍ معدني/ صدى فأسٍ في الحقل/ الفلّاح يُزهر»، بينما نجد تشتتاً في بعض القصائد، لنقرأ: «فرح الرعاة بالنار/ فرح النار بالرعاة/ المزاريب نايٌ ومزمار»، أو: «وراء نجمةٍ مضى/ ولم يعد/ الشاعر اتجاه».
تقليب الزمن والوجود يسمح لطفولة الشاعر بالتسلل إلى داخل الكتابة، فتحضر قريته الكفرون: «منجلٌ ومحراث/ فأس وإبريق ماء/ الكفرون عرق الجبين». الطبيعة، على أي حال، هي الخزان الأساسي للهايكو، وهي الملعب الأثير لدى الشاعر الثمانيني الذي تغريه نيتشوية «العود الأبدي». هل هي صدفة أن يكون نيتشه ألمانياً؟
حسين...