بقميص أزرق، يطلّ طفل سوري أمام الكاميرا، وهو يعتلي كتفي أبيه. تارة يلوّح للجموع المحطية به، وطوراً يجرّب أن يصنع شارة النصر بأصابعه الغضّة. ليس هذا مهمّاً، ربما الأهم بأن سيدة هنغارية مسنّة تراقب مشهد الطفل وتحدّق طويلاً بالجيش الجرّار الهارب من جحيم الحرب وهو يسير وراءه، فيأسرها المشهد ولا تتمكن من حبس دموعها ولا الانتباه إلى الكاميرا التي أحكمت القبض على هذه اللحظة الإنسانية المؤثرة.


إنّها واحدة من لحظات كثيرة قبض عليها الصحافي جون دوموكوس وتمكّن من توثيقها وصياغتها بلغة واقعية بحت. هكذا، خرج بفيلمه الوثائقي «السير معاً: رحلة عائلة سورية إلى قلب أوروبا» (17 دقيقة). العمل بثّه أخيراً موقع صحيفة «غادريان» البريطانية ليظهر بالصوت والصورة درب الجلجلة الذي يسير عليه اللاجئون.
ينطلق الشريط مع قرار حشد كبير من اللاجئين أو «المهاجرين غير الشرعيين» بقطع مسافة تتجاوز 800 كم إلى الحدود النمساوية سيراً على الأقدام، بعدما علقوا في محطة «بودابست» في المجر. وبسبب منعهم من ركوب القطار والوصول إلى أيّ دولة أوروبية تمنحهم ضمانات بحياة كريمة عساها تكون ألمانيا، رافق فريق الفيلم الشاب السوري ماجد وعائلته وهم من محافظة إدلب، حتى وصلوا إلى ألمانيا. بدا واضحاً الخيار المثالي لبطل الوثائقي، بخاصة أنه يملك كاريزما نجم سينمائي ويتكلم الانكليزية بطلاقة. هكذا، تخبرنا زوجته بأن الشرطة المجرية سمحت لهم بركوب القطار، لكنهم فوجئوا بأنها كانت محاولة للتضليل وإيصالهم إلى مقر حكومي لتبصيمهم على اللجوء في دولتهم. تعود الكاميرا لترصد ماجد وهو يجادل رجال الشرطة المجرية ويقول لهم: «أنا أعرف شعبي جيداً» قبل أن يعود ويخبر صانع الشريط: «نحن شعب يعمل بتعب، محب وودود ومتعلم بنسب جيدة، ولا نخاف من بعضنا.


ركبت مراسلة «skynews بريطانيا» الكس كروفورد قارب اللاجئين من تركيا إلى اليونان


تشاركت مع أصدقائي في رحلتي هذه من الطعام حتى الأحذية». في النهاية سيختصر الشاب مشاعره أمام جموع المرحبين، فيتوّجه بالشكر للشعب الألماني عند وصوله إلى هناك، بعد أن يخلع رجل ألماني قبعته ويلبسها لابنه وسط تصفيق حاد يبدو لوهلة كأنه أُعدّ سلفاً. في الرحلة المتعبة التي خاضها الصحافي بنفس طريقة اللاجئين، تلاحق الكاميرا رجلاً بدّل الأحذية بينه وبين زوجته حتى تتمكن من المسير لمسافات طويلة فيما يقول بإنكليزية جيدة: «ماذا أفعل؟ أمامنا سؤال كبير هو سؤال شكسبير الشهير نكون أو لا نكون. وسوف نكون». تقطع الموسيقى جملة شاب يقول جملة واحدة: «سننام في الطريق، ليست مشكلة، المهم أن نصل الى هدفنا» قبل أن تغرق عيناه في الدموع، فيشيح بوجهه ويكمل مسيره. لكن عندما يسمع اعتذار صاحب السؤال، يعود ليقول له بإنكليزية ثقيلة: «لا لا ليست مشكلة... وداعاً». في سياق مشابه، يصوّر الوثائقي شاباً في مقتبل العمر يمشي على عكّازين ويجيب على أسئلة التلفزيونات المجرية بأنّه لا يعرف حجم المسافة التي سيمشيها على عكّازين، لكن المهم أن يمشي. عند حلول الظلام، يكشف الشاب عن قدمه البلاستيكة، ولن يكون وحيداً. سيساعده أصدقاء في المشي. كذلك يسير طفل برفقة أشقائه وأحدهم يعاني من إعاقة كبيرة يقول إنّه سيذهب إلى ألمانيا للعلاج. تتقاطع المشاهد مع متطوعين مجريين قرروا أن يقدموا الدعم والمساعدة لهؤلاء، وبعضهم لا يتردد في القول بأنه أوّل مرة قرر أن يقدم مساعدة لأحد.
لن تكون تلك المحاولة هي الوحيدة. اختارت مراسلة «skynews بريطانيا» الكس كروفورد أن ترافق مجموعة لاجئين سلكوا طريق البحر من أزمير التركية إلى الشواطئ اليونانية. قبل ذلك، التقت المهرّب المسؤول عن الرحلة. وعلى حظّها، تعطل محرّك القارب واختار اللاجئون العودة إلى تركيا والتجريب مجدداً قبل أن يلاحقهم خفر السواحل التركية وتنشب معركة كلامية بينهم تصل إلى حد إطلاق الخفر رصاصة نحو القارب وطلقات عدة في الهواء. لكن النتيجة أن القارب يدخل المياه الإقليمية اليونانية، فيندحر الأتراك وتعلو صيحات النصر إلى أن يبدأ هؤلاء بإلقاء أنفسهم عند الشواطئ الأوروبية احتفالاً بالوصول إلى القارة العجوز.
الغريب أن عشرات الصحافيين السوريين شقوا طريقهم وسط البحار والغابات وتعرّضوا لمواقف مثيرة في رحلة لجوئهم المحفوفة بالمصاعب والمخاطر من دون أن يخطر لأحد منهم أن يحمل كاميرا ويسجّل ما حصل! ربما التنظير المجاني على الفايسبوك ريثما يلحقهم الدور لتقديم أوراق لجوئهم يشغل بال هؤلاء أكثر من أي شيء آخر... فلماذا يوثقون معاناتهم طالما أن الصحافة الأوروبية موجودة؟!