في وقت يتدفق فيه يومياً عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين الى أوروبا ضمن ظروف صعبة ومأساوية وفتاكة، تتأرجح القارة العجوز إزاء التعامل مع هذا الحدث سياسياً وإجتماعياً واقتصادياً، وسط مطالبات بالحدّ من هذا التدفق من ناحية، والرفض الكلّي لإستقبالهم على أراضيها من ناحية أخرى.


صحيح أنّ صورة الطفل السوري آيلان كردي الذي قضى على أحد شواطىء تركيا غرقاً، ساهمت في كسر جدار واسع بين الدول الأوروبية وهؤلاء اللاجئين، وفتح الأبواب أمامهم، الا أن هذه القضية ما زالت مثار جدل وأخذ ورد داخل النسيج الأوروبي.
في 3 أيلول (سبتمبر)، طفت صورة الطفل الذي اختصر المعاناة السورية الباحثة عن خشبة خلاص ولو أدى ذلك بها الى الموت. طفت صورته على أغلفة الصحافة العالمية وعلى منصات التواصل الإجتماعي، وولّدت تفاعلاً وتعاطفاً غير مسبوقين مع الشعب السوري. في اليوم عينه، رسم إيمانويل شونو الذي يعمل في صحيفة «شارلي إيبدو» على صفحته الفايسبوكية (الأخبار10-9-2015) رسماً كاريكاتورياً يجسد فيه الطفل آيلان حاملاً حقيبة مدرسية لإيصال رسالة رمزية إنسانية بأنّ هذا الطفل لن يحظى كغيره بالموسم الدراسي وبما يحظى به الأطفال في الظروف العادية. وقتها، ثارت ثائرة بعض الفرنسيين على هذا الرسم وأخرجوا كل بغضهم وعنصريتهم على الإسلام، حتى إنهم تمنوا أن تعاد حادثة اغتيال صحافيي الصحيفة الساخرة من جديد. هذه الموجة الإعتراضية وازتها اليوم حملة عنيفة أخرى على «شارلي إيبدو» وعلى ما حملته من رسوم في عددها لهذا الشهر.
الناشطون المنتقدون لهذه الرسوم التي تناولت أوضاع اللاجئين السوريين، رأوا فيها سخرية بل «سقطة أخلاقية» للصحيفة الساخرة.


نقد موجّه إلى تعامل اليمين الفرنسي مع اللاجئين

هكذا امتدت الموجة من مواقع التواصل الإجتماعي وصولاً الى المواقع الإخبارية والإلكترونية. ومع استسهال هذه الإتهامات وحرية التأويل في فن الكاريكاتور الذي يستخدم الرموز ويختصر الحدث بها ويترك للمتلقي حرية فهم سياقها، لم يجهد المتابعون لهذه الرسوم بمحاولة فكّ رموزها وربطها بالسياق السياسي الداخلي الفرنسي. بداية، جرى تداول صورة قيل إنها نشرت على غلاف المجلة التي صدر عددها في 9 ايلول (سبتمبر) الماضي، مجسدةً رجلاً على هيئة رجل دين مسلم يجلس ويضع رجليه على شاب أوروبي، ويقول له «الآن اصبحنا هنا في بلادنا». وعلا الرسم عنوان «أهلاً بالمهاجرين» للدلالة على أن المسلمين سيسيطرون على فرنسا. هذا الرسم وبكبسة زر بسيطة على موقع الصحيفة، سرعان ما يتكشف زيفه، فالصورة الأصلية لغلاف «شارلي إيبدو» تظهر رجلاً أوروبياً يجلس بالوضعية نفسها ويضع رجليه على شاب فقير معدم (يبدو ذلك من ثيابه). طبعاً هذا الكاريكاتور يذهب بنا الى نقد التعامل مع قضية المهاجرين واستغلالهم، ويظهر أيضاً طريقة التعالي الأوروبي معهم. الى هنا، يتبدى النفس الذي تسير به الصحيفة اليسارية التي خصصت أيضاً صفحاتها الداخلية لمجموعة رسوم ساخرة تضيء على الموضوع عينه. رسوم وقّعها لوران سورسيو المعروف بـ «ريس» تناولت المأساة السورية من بينها رسم تعلوه عبارة «البرهان على أنّ أوروبا مسيحية»، ونرى فيه رجلاً (مسيحياً) يقول «المسيحيون يسيرون على الماء»، يقابله طفل يغرق يردد عبارة «والأطفال المسلمون يغرقون». والتفسير الطبيعي لهذا الرسم هو السخرية من اليمين الفرنسي، الذي يحرّض على المسلمين والمهاجرين ويمارس فوقية ثقافية وإجتماعية عليهم. رسمان جديدان جمعهما الطفل آيلان كما وجد على الشاطىء التركي: الأول يحوي إعلاناً لسلسلة مطاعم «ماكدونالدز» عن تخصيص وجبتين للطعام بسعر وجبة واحدة. أما الثاني، فأعاد التذكير بالشخصية الكارتونية Casimir الديناصور البرتقالي الذي اشتهر في برنامج «جزيرة الأطفال» على الشاشات الفرنسية في حقبة الثمانينيات. الرسمان حتماً يقوداننا الى تبيان معاناة الأطفال السوريين الذين غدرهم الموت غرقاً وحرمتهم ظروفهم القاسية ممارسة ما يحلم به كل أطفال العالم. من خلال سرد كل ما تقدم، يظهر مدى الخفة في الترويج بل افتعال بروباغندا بعضه تزوير كصورة الغلاف، والآخر أُوّلَ على نحو خاطئ بعيداً عن أي قراءة سياسية إجتماعية ثقافية للواقع الفرنسي.