سناء الخوري

هل هناك قواسم مشتركة بين أفلام مارون بغدادي وبرهان علويّة وسواهما من روّاد السينما اللبنانيّة الجديدة؟ وما عساها تكون؟ كن سينيوري (الصورة)، الباحث الأميركي في مجال الأدب المقارن، يقترح مقاربة خاصة لتلك القواسم المشتركة بين التجارب التي صنعت الحركة السينمائيّة في لبنان. مدير «برنامج الأدب العالمي» في جامعة سيمون فرايرز (كندا)، عمل لسنوات في لبنان أستاذاً محاضراً في «جامعة البلمند» و«الجامعة اللبنانيّة الأميركية». ركّز جهده البحثي حينها على الرواية اللبنانيّة خلال الحرب، قبل أن يهتدي إلى السينما اللبنانيّة. هذا لم يأت مصادفةً، إذ وجد أنّ هناك تيمة تتكرر ـــــ بأشكال ومقاربات مختلفة ـــــ في الإنتاجات السينمائيّة المتأثرة بالحرب الأهليّة. إنّها، بكل بساطة، الوقوف على الأطلال! حين ألقى محاضرةً قبل أيام في «المعهد الألماني للأبحاث الشرقيّة»(بيروت)، تساءل بعض الحاضرين عن ذلك الرابط الخفي بين أعمال الثنائي جوانا حاجي توما ـــــ خليل جريج مثلاً وأشعار امرئ القيس! الأنقاض، والركام، والأبنية المهدّمة، أو تلك المنخورة بآثار القنابل، كانت تقفز أمام عيني سينيوري كلما شاهد فيلماً لبنانياً. كأن الأطلال هي المجاز الذي التقت عنده مختلف الأعمال اللبنانيّة في تناولها للواقع الذي يبدو غالباً كتلة من الأنقاض.


تحطيم النوستالجيا التقليديّة للسينما اللبنانيّة، وإنتاج أشكال أخرى من الحنين


في «بيروت اللقاء» (1981) مثلاً، لا يظهر الركام في عدسة علويّة كمجرّد أثر، بل كصدى لمدينة تتحول، وتجهض أي إمكان للتواصل بين أبنائها. وفي «خارج الحياة» (1998) لمارون بغدادي، يبدو مشهد اختطاف المصوّر الفرنسي مناسبة لنزهة مكوكيّة للكاميرا بين الأنقاض، كأننا ندخل في متاهة لانهائيّة.
«انطلاقاً من نظرية رايموند وليامز عن «بنية المشاعر»، حيث يكون أي شعور فردي عميق، كالحنين مثلاً، صدىً لشعور جماعي يُعبَّر عنه بأعمال فنيّة، وجدت أنّ عودة الأنقاض ليست مجرّد تيمة عابرة»، يقول سينيوري. «تحوّلت الأطلال إلى مادة لإعادة اختراع مفهوم آخر للحنين، مفهوم يقطع مع النوستالجيا التقليديّة للسينما اللبنانيّة ما قبل الحرب ويحطمها. وهذا ما نجده في «أطلال» غسان سلهب مثلاً»، يضيف. سينيوري الذي ينشر خلاصة أبحاثه في كتاب ينشر قريباً، يرى أنّ هذه النوستالجيا «طريقة لتحويل واقع تاريخي غير إنساني إلى معطى أكثر إنسانيّة». بالنسبة إليه، تكرار سؤال الحرب في السينما اللبنانيّة، أمر بديهي لا بل ضروري.