مثل معظم السوريين المؤيدين في مناطق سيطرة الدولة السورية، يبدو الإعلاميون العاملون في مؤسسات الإعلام الرسمي مطالبينَ بـ«العطاء» فقط. أما حين يتعلّق الأمر بحقوقهم، فثمّة كثير من الحجج التي تجعلهم مضطرين لـ «مراعاة الظرف العام الذي تمر به البلاد» والقيام بواجبهم في «إحباط المؤامرة الكونيّة» ولو تطلّب الأمر سكوتهم عن كل ما يلحق بهم من أذى. وفق هذه العقليّة الرسمية، تبدو قضية الاعتداء الذي طاول الإعلاميين آدم طريفي، وإسماعيل أحمد مرشّحةً لـ«اللّفلفة بالحُسنى».


القضيّة التي ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي منذ مساء الاثنين تتمحور حول قيام رئيس الاتحاد العام لنقابات العمّال جمال القادري، وعناصر مرافقته بالاعتداء الجسدي واللفظي على طريفي، وإسماعيل، واحتجاز أوّلهما لساعات. التفاؤل الذي ساد أوساط الإعلاميين السوريين في الساعات الأولى لتفجّر القضية بأنّها لن تمرّ مرور الكرام، وأنّ المحاسبة ستطال المعتدين، سرعان ما انقلب أمس إلى تشاؤم مشوب بالقلق مع تزايد المؤشرات إلى أنّ الملف في طريقه إلى الطي، بافتراض أنّه قد فُتح أصلاً. وسرعان ما وجدَت روايةٌ أخرى للقصّة طريقها إلى التداول: رواية تجعل من الإعلاميَّين الرسميين المذنبين والبادئين بالخطأ.


مؤتمر في دمشق
يشهد اعتداءً على آدم طريفي، وإسماعيل أحمد

كأنّ هذه الرواية (بفرض أنّها صحيحة) تجعلُ قيام «أرفع» مسؤول نقابي عمّالي بضرب عاملَين أمراً مُبرّراً، وتجعل عناصر مرافقته مخوّلين بإشهار مسدساتهم في وجه فريق إعلام رسمي على هامش «الملتقى النقابي الدولي للتضامن مع عمال وشعب سوريا في مواجهة الارهاب» في دمشق! المفارقة أنّ هذا يحدثُ في بلدٍ يجد العاملون في إعلامه أنفسَهم مطالبين بالتغني دائماً بـ«سيادة القانون والمؤسّسات» فيه. وفيما امتنعت وسائل الإعلام الرسميّة وشبه الرّسميّة عن تناول القضيّة، فقد علمت «الأخبار» بأنّ الإعلاميّين طريفي وإسماعيل قد تلقيّا «توجيهات إداريّة» شفهيّة تحذّرهما من الإدلاء بأي تصريح لوسائل الإعلام. وفيما تعذّر التواصل مع إسماعيل، فقد اعتذرَ طريفي عن عدم الخوض في القضيّة في الوقت الراهن، مبرّراً الأمر لـ«الأخبار» بأنّه «تلقّى تأكيدات بوجود توجيهات عليا بالتحقيق في القضيّة، ومحاسبة من تثبتُ إدانتُه». في الوقت ذاته، قال مصدر مواكب للملف إنّ «القضيّة ذاهبة نحو اللفلفة». المصدر أكّد لـ«الأخبار» أنّ «أحد المُدراء العامّين السابقين للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون قد تواصلَ مع الإعلاميّين، في مسعى ليكونَ محضر خير». ووفقاً للمصدر، فقد «نصح المديرُ السابق بعدم الرهان على محاسبة القادري، وأبدى استعداده للعمل على تحقيق أي مطلب آخر سوى المحاسبة»! بدوره، أبدى رئيس اتحاد نقابات العمّال جمال القادري استعداده للإجابة على كل الأسئلة المتعلّقة بالقضيّة، لكنّه طلب من «الأخبار» القيام بـ«الاتصال بعد ساعة لأني عم سوق». لكنّ استمرار الرنين كان الإجابة الوحيدة التي حظينا بها على تسع محاولات اتصال أجريناها على امتداد ساعتين ونصف الساعة، يبدو أنّها مدة لم تكن كافيةً لوصول القادري إلى وجهته! كذلك، فشلت عشرُ محاولات للتواصل مع مكتب وزير الإعلام السوري عمران الزعبي. وحدَه رئيس المجلس الوطني للإعلام محمّد رزّوق أجاب على تساؤلات «الأخبار» بإيجاز، مؤكّداً أنّ «المجلس يتابع القضيّة». رزّوق أشار إلى وجود روايتين للموضوع، وأنّ «المجلس سيقوم باتخاذ الإجراء المُناسب في حدود صلاحيّاته بمجرد اتّضاح الملابسات».
أمّا كُبرى المفارقات المرتبطة بالقضيّة فمفادُها أنّ القادري وعلاوةً على كونه رئيس اتحاد العمّال، هو في الوقت نفسه عضوٌ في مجلس الشعب السوري. حسناً، في إمكان العمّال وسائر فئات الشعب السوري أن يكونوا مطمئنين إذاً.