بعد ستّ سنوات على تأسيسها، يبدو أن الإدارة الأميركية لم تعد راضية عن أداء المحطة الناطقة باللغة العربية، أقلّه هذا ما أكده التقرير الصادر أخيراً عن «لجنة العلاقات الخارجية» في مجلس الشيوخ الأميركي


واشنطن ــ محمد سعيد
أصدرت «لجنة العلاقات الخارجية» في مجلس الشيوخ الأميركي تقريراً عن شبكة البث الإذاعي والتلفزيوني الناطقة باللغة العربية، التي تموّلها الحكومة الأميركية. وقد أثار هذا التقرير مخاوف عدد من العاملين في قناة «الحرة»، من اللجوء إلى إقفال المحطة، وبالتالي فقدانهم وظائفهم.
وجاء في التقرير الذي حمل عنوان «البث الأميركي الدولي: هل هناك من يستمع؟ إبقاء اتصال الولايات المتحدة»، أنّ قناة «الحرة» (تأسّست عام 2004) أصبحت مكلفة مالياً بسبب ضآلة مردودها. وأضاف التقرير إنّه باستثناء «الحرة ـــــ عراق»، فإنّ المحطة تتميّز بقلة عدد مشاهديها العرب، وقد بلغت ميزانيتها 90 مليون دولار سنوياً، وهي في ذلك تزيد على ميزانية ثلاث محطات أميركية موجّهة إلى الخارج مجتمعةً، وهي إذاعة «آسيا الحرة» (37 مليون دولار)، وإذاعة وتلفزيون «مارتي» (30 مليون دولار)، و«صوت أميركا» الناطقة بالفارسية (17 مليون دولار).
ويكشف التقرير أنّ نجاح «الحرة» في المنافسة في سوق المشاهدين يتطلّب توفير موارد أكبر للتسويق والترويج، أو إدخال تغييرات إضافية إلى برامجها. وأكّد أنه إذا لم يحقّق ذلك انتشارها، فينبغي لصنّاع السياسة في واشنطن أن يقرّروا ما إذا كان استمرار تشغيل المحطة يستحقّ كل هذه التكاليف.
كذلك تناول التقرير، الذي صدر يوم التاسع من حزيران (يونيو) الحالي، «راديو سوا»، الذي كان قد بدأ البث في شباط (فبراير) 2002، وأصبح له شعبية في المنطقة العربية. ولكن مع انتشار إذاعات تقدّم خدمات «سوا»، تراجعت شعبية الإذاعة الأميركية الناطقة بالعربية، وخسرت 25 في المئة من مستمعيها العرب.
ويدّعي التقرير أنّ عدد مشاهدي «الحرّة» أسبوعياً بلغ عام 2004 19 مليوناً. ثمّ ارتفع تدريجاً إلى 27.7 مليون مشاهد في عام 2009، من بينهم مشاهدو العراق. فيما تراجع عدد مستمعي راديو «سوا» من 21.5 مليون مستمع في عام 2005 إلى 16.4 مليون مستمع عام 2009. وتشير أرقام التقرير إلى أن مشاهدي «الحرّة» أسبوعياً في العراق يبلغ نحو عشرة ملايين مشاهد، فيما لا يتجاوز عددهم في لبنان 307 آلاف. كما أن عدد المستمعين إلى راديو «سوا» في لبنان هو نحو 233 ألف مستمع أسبوعياً.
ورأى التقرير أنّ منح الرئيس الأميركي باراك أوباما أولى مقابلاته في العالم العربي لمحطة «العربية» وليس إلى «الحرة» يؤكّد الاعتقاد السائد داخل الإدارة الأميركية بأنّ «الحرة» محطة هامشية. فيما يعلن التقرير أنّ قناة «الجزيرة» تستحوذ على 55 في المئة من مشاهدي الأخبار العرب.
ويعزو التقرير عدم شعبية «الحرة» في أوساط المشاهدين العرب إلى فقدانها الصدقيّة. وسبب غياب الصدقيّة ـــــ حسب التقرير ـــــ هو تراجع الأخبار والبرامج التي تميّز المحطة عن سواها من الفضائيات المموّلة من دول غربية أو عربية. إلى جانب ضعف المهارات لدى صحافييها، وخصوصاً المهارات الفنية. كما أشار التقرير إلى غياب التوازن في صياغة التقارير الإخبارية، والانطباع السلبي السائد لدى المشاهد العربي تجاه كل ما يصدر عن الغرب. إذ يُنظر إلى «الحرة» كأداة دعاية (بروباغندا) للولايات المتحدة، بدلاً من أن تكون مصدراً للأخبار والمعلومات. وما يعزّز هذا الانطباع ـــــ كما يقول التقرير ـــــ أنّ مقر المحطة يقع في العاصمة الأميركية لا في العالم العربي.


بلغ عدد مشاهدي القناة أسبوعياً في العراق عشرة ملايين مشاهد و 307 آلاف في لبنان
ويشير التقرير إلى أن عدداً كبيراً من منتقدي «الحرة» يقولون إن استمرار تمويل المحطة هو تبديد للأموال، مقارنين مردودها بمردود «الجزيرة» الإعلامي، ونفوذها في أوساط المشاهدين العرب. علماً بأن ميزانية «الجزيرة» تبلغ حالياً 140 مليون دولار، بما فيها تكاليف «الجزيرة» الناطقة بالإنكليزية كما يرد في
التقرير. من جهة أخرى، أشار التقرير إلى المشاكل التي تواجه «مجلس محافظي البث» الذي يشرف على القنوات الممولة من الحكومة الأميركية. ويقول إنّ المجلس أصبح ملعب كرة قدم سياسياً بسبب الانحياز الحزبي في تعيين العاملين فيه. وكشف التقرير أنّ رئاسة المجلس لا تزال فارغة منذ عام 2008. وقال العضو الجمهوري البارز في «لجنة العلاقات الخارجية» ريتشارد لوغر إنّ اللجنة تأمل أن يجري التصديق على تعيين الرئيس الجديد لمجلس محافظي البث، وسبعة أعضاء آخرين جرى تقديم أسمائهم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
ويتكون «مجلس محافظي البث» من ثمانية أعضاء، يتقاسمهم مناصفةً الحزب الديموقراطي والجمهوري، فيما يعيّن وزير الخارجية الأميركية ممثلاً عنه ليكون العضو التاسع في المجلس.


الترويج للحرية؟

تأسست قناة «الحرة» عام 2004، بعد عام واحد من الاجتياح العسكري الأميركي للعراق. وبدا واضحاً اهتمام المحطة بالتوجّه إلى الجمهور العراقي. وتأكيداً لهذا الاهتمام، أنشأت المحطة بعد أشهر قليلة من انطلاقها، قناة أخرى تدعى «الحرة ـــــ عراق» هدفها «الترويج للحرية والديموقراطية من خلال إعطاء معلومات موثّقة للمشاهدين أو المستمعين» كما قال يومها مدير «الحرة» موفق حرب في تصريحات صحافية. وبالفعل، استطاعت المحطة جذب عدد كبير من العراقيين، ولكن ذلك لم يمنع منتقديها من توجيه اعتراضات لاذعة إلى أدائها، وخصوصاً أنها ـــ في رأي هؤلاء ـــ لم تأخذ في الاعتبار الخصوصية العراقية، ولا التنوّع الطائفي والإثني والثقافي.