القاهرة | رغم اعتراف قوات الجيش والشرطة المصرية منذ البداية بأنّ سقوط 12 ضحية بين مكسيكيّين ومصريين في منطقة الواحات (غرب مصر) تمّ عن طريق الخطأ، إلا أنّ ردة الفعل الإعلامية لم تتوازَ مع هذا الاعتراف. بل إنّ الإعلام المصري انحاز بدرجة كبيرة إلى قرار الدولة المصرية بالتخفيف من وطأة الحادث. وعليه، اجتهدت التغطيات الإعلامية في التقليل من حجم الواقعة التي تهدد بعودة السياحة المصرية إلى نقطة الصفر.


ساهم في ذلك فتح النوافذ أمام مصادر مسؤولة في وزارة السياحة تولّت مهمة إلقاء المسؤولية على السيّاح الضحايا، مما جاء بمردود على مواقع التواصل الاجتماعي. هكذا، امتلأت الأخيرة بتعليقات تدين الحادث وتطالب بالتحقيق مع دعم الجيش في حربه ضد الإرهاب. لكن في المقابل خرجت أصوات عدة تشكك في أنّ السيّاح الضحايا كانوا في هذه المنطقة لأهداف بريئة، وكرّرت لعبة قلب الحقائق التي تهدف دائماً إلى التخفيف من الاتهامات الموجهة إلى أخطاء السلطات المصرية أياً كانت. الحادث وقع مساء الأحد حين ضربت طائرة عسكرية رتلاً من سيارات استقلها السيّاح المكسيكيون والمرشدون المصريون في رحلة سفاري حصلت على كل الموافقات الرسمية قبل أن تنتشر إعلامياً تصريحات غير صحيحة عن عدم وجود هذه الموافقات. وبسبب إصابة احدى السائحات بالإرهاق، توقفت السيارات عن السير ودخلت مسافة كيلومتر في الصحراء، وتحديداً في منطقة قيل لاحقاً إنّها محظورة أمنياً.


وحده إبراهيم
عيسى طالب
السيسي بالاعتذار

تزامن ذلك مع مواجهات بين قوات الأمن المصرية ومسلحي «داعش» المختبئين بالقرب من الحدود المصرية الليبية. ونظراً إلى تشابه السيارات، تعرّض السيّاح للقصف بالخطأ. الخبر وصل إلى الإعلامي محمد مصطفى شردي مقدم برنامج «تسعين دقيقة» على شاشة «المحور» في التوقيت نفسه أي مساء الأحد. لكنّه رفض الإعلان عنه، مفضلاً التريّث بسبب نفي أجهزة أمنية للقصة برمتها في هذا التوقيت. واقعة تعكس كيف أنّ أخباراً عدة قد لا تصل إلى الجمهور إذا فشل الصحافي في الحصول على تأكيد من جهة رسمية حتى لو كانت لديه مصادر أخرى. بعد منتصف الليل تقريباً وحتى مطلع فجر الاثنين، بات الخبر على كل لسان، لكنّ صحف صباح الاثنين لم تنجح في اللحاق به، لتصدر صباح الثلاثاء وقد أعطت أخبار التشكيل الوزراي الجديد أولوية تفوق حادث قتل السيّاح بالخطأ في صحراء مصر. طبعاً، تصدّر الخبر الصحف وقنوات التلفزيون العالمية، خصوصاً مع الغضب المتوقع الذي صدر عن الرئاسة المكسيكية. حتى إنّ وزيرة خارجية المكسيك كلاوديا رويس ماسيو وصلت إلى القاهرة عصر الثلاثاء لمتابعة الضحايا والجرحى بنفسها. أما برامج الـ «توك شو» يوم الاثنين، فانقسمت بين استخدام اللهجة الهادئة التي تدين الخطأ لكنها لا تطالب بالمحاسبة، وبين الترويج لروايات تحمّل القتلى وحدهم الذنب كله، والتغاضي عن أهمية التحقيق في ما جرى لضمان عدم تكراره. وحده الإعلامي إبراهيم عيسى طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي بالاعتذار بشكل رسمي ومباشر لنظيره المكسيكي، متسائلاً: «هل كانت هناك لافتة تقول للسيّاح إنّ هذه المنطقة محظورة؟». غير أنّ محاولة الإعلام المصري «كتم الصوت» على الحادث، لم تنجح في وقف سيل الأسئلة عن الملابسات والأضرار التي ستلحق بصورة البلاد سياسياً وأمنياً وسياحياً بسبب ما جرى. ردة الفعل هذه لن تهدأ إلا بمبادرات إيجابية من الحكومة المصرية. أما «كتم الصوت» أو الإيحاء بأنّ القتلى مسؤولون عن هذا المصير، فهو «نغمة باتت مستهلكة» لا يسمعها إلا أصحابها الرافضون حتى الآن الاقتناع بأنّ العالم بات قرية صغيرة، ولا يعوق الحقيقة أي منطقة محظورة.