طه عدنان

لستُ متابعاً جيداً لبطولة كأس العالم، تصوّروا أنني لم أتابع انتصار غانا على الولايات المتحدة السبت الماضي. حين لعب «البلاك ستارز مع اليانكيز، كان الطقس فاتناً. وكنت برفقة بعض الصديقات (الأصدقاء يتابعون الكرة بخشوع المصلّين) نشرب كأساً في الساحة الكبرى لبروكسل قبل أن يدخل بعض الشباب الأفارقة الساحة بزهو المنتصرين في حربٍ طاحنة. كلّ من في الساحة كان يصفّق لهم. كنت أيضاً أصفّق جذلاناً بتأهل الممثل الوحيد لقارتي السمراء إلى ربع النهائي، بعدما خرج أشقاؤنا الجزائريون من الأدوار الأولى للتصفيات... شأنهم في ذلك شأن حاملة الكأس ووصيفتها: إيطاليا وفرنسا.
فرنسا بالخصوص كان إقصاؤها مهيناً. والبذاءات التي تفوّه بها نيكولا أنيلكا في حقّ مدرب منتخب بلاده ريمون دومينيك جعلتني أحِنّ إلى نطحة زيدان الكاتمة الصوت قبل أربع سنوات. كما أحنّ إلى فريق كرة القدم في حيّي القديم بمراكش، حيث كان المدرب يعنّف اللاعب منّا من دون أن يبدي هذا الأخير أدنى اعتراض. اليوم، كل شيء تغيّر. المال أفسد كل شيء. كيف نريد من لاعب يتقاضى 500 ألف يورو في الشهر أن يظلّ مهذباً؟

كرنفالات إثنية في بروكسل... ومراكب سكرانة في أمستردام
لست حريصاً على متابعة نهائيات كأس العالم، لكنّها تبدو حريصةً على متابعتي ومحاصرتي تماماً... في البيت حينما أجد الكرة قد تصدّرت الشاشة... في العمل عندما أجد الزملاء يناقشون بجدية قصوى مباريات الأمس... في الشارع حيث تحوّلت المقاهي إلى ما يشبه مدرّجات ملاعب وكرنفالات إثنية: برازيليون وبرتغاليون وإيطاليون وغيرهم يجوبون الشوارع مطلقين أبواق سياراتهم، كما لو لتذكيرنا بأن كأس العالم شأن يخصّنا رغم أنوفنا... ورغم آذاننا أيضاً. من حسن الحظ أنّ البلجيكيين والمغاربة والأتراك والكونغوليين خارج دائرة التنافس هذه السنة... وإلّا لتحوّلت العاصمة البلجيكية إلى حالة من الفوضى العارمة.
خلال نهاية الأسبوع الماضي، سافرتُ إلى أمستردام لـ «تغيير الجوّ». كنتُ كالمستجير من الرّمضاء بالنار. فمباراة هولندا ضدّ اليابان ذلك السبت حوّلت مركز المدينة إلى مزرعة برتقال متحرّكة. بعد الفوز اكترى المشجعون مراكب صغيرة تمخر بهم عباب قنوات المدينة. كان الفوز مجرد ذريعة لكي يفرغوا براميل البيرة في جوفهم، قبل أن يفرغوا مثاناتهم في عرض الماء كأوغاد فرحين. كانوا يغنّون ويرقصون كبحّارة جاك بريل. وبملحمية بريختية ثملة، كانوا يتفنّنون في تجسيد قصيدة «المركب السكران» لآرثر رامبو. وكنتُ أكتشف لأول مرة تجسيداً كروياً لشعرية صاحب «الإشراقات». كان ذلك خلال يوم مشرق في بلد فان غوغ. اليوم مشرقٌ أيضاً هنا في بروكسل، بل وساخنٌ كما يجدر بيوم أحد في فصل صيفٍ يحترم نفسه. سأهرب إلى الشاطئ قبل أن تندلع المباريات.