بعد أيام قليلة على رحيل الناقد فاروق عبد القادر، فارقنا ليل أمس محمد عفيفي مطر (1935) الذي يُعَدّ من أبرز الأصوات الشعرية في مصر. رحل الشاعر بعد دخوله في غيبوبة منذ الأسبوع الماضي. صاحب «والنهر يلبس الأقنعة» (1975) قضى بتليّف الكبد، وسيُشيع اليوم في قريته رملة الأنجب (محافظة المنوفية، شماليّ القاهرة)، على أن تتلقى أسرته العزاء هناك أيضاً.

تركت قصيدة عفيفي مطر أثراً كبيراً في جيل السبعينيات المصري. تتميز أعماله بكثافة الصور الشعرية وتلاحقها، وبزخمها الفلسفي والفكري. درس الراحل الفسلفة في جامعة القاهرة، وتأثّر بالتراث العربي والإسلامي والمصري القديم وبالتصوف الإسلامي، ما جعل قصيدته مستغلقة على كثيرين، وإن كانت قد أثرت في جيل كامل من الشعراء المصريين الذين عدّوه أباً روحياً لهم.
اللافت أنّ مصر لم تنشر أياً من دواوين مطر الأولى، بل توزع نشرها بين بيروت وبغداد ودمشق وطرابلس الغرب. حتّى إنّ باكورته «الجوع والقمر» (1972) لم تنشر كاملة في بلاده إلا منتصف التسعينيات. يعود ذلك إلى خلافه في الستينيات مع صلاح عبد الصبور الذي قال: «لن أنشر له ديواناً، ولو على جثتي». هكذا اختار الراحل أن ينشر في الخارج، فلم تصل دواوينه إلى القراء في مصر. عندما حاول أن يصحح هذا الوضع في الثمانينيات والتسعينيات، جمع كامل أعماله (13 ديواناً) بطلب من هيئة الكتاب ووقع معها عقداً لنشرها... كادت الدواوين تذهب إلى المطبعة، لكن أتت الأوامر بسحبها وحجبها لأسباب سياسية... لحظة صدورها.
كانت تجربة اعتقال عفيفي مطر في أوائل التسعينيات بعد تظاهره ضد الغزو الأميركي للعراق، من أشد التجارب قسوة في حياته. اتهم حينها بأنّه يسعى إلى تأسيس تنظيم بعثي في مصر. في دواوينه اللاحقة، روى كيف كانوا يعذبونه. كانوا يعلقونه من يده في ممر بارد، ولشدّة ألمه كان يخال أبناءه معه في الزنزانة، ويسمع عويلاً طوال الليل. هذه التجربة أنتجت ديوانه الأشهر «احتفاليات المومياء المتوحشة» (1992)، وصارت قصيدته «طقوس متبادلة» أيقونةً لبشاعة تعذيب السلطة المصرية لمعارضيها.
رحل مطر الآن ولتهدأ روحه. وكما كان يقول: «حياتي مغسولة بعرقي، ولقمتي من عصارة كدحي وكريم استحقاقي، لم أغلق باباً في وجه أحد، ولم أختطف شيئاً من يد أحد، ولم أكن عوناً على كذب أو ظلم أو فساد».
محمد...