بغداد | أزادوهي صموئيل «راهبة المسرح العراقي» كما يسمّيها النقاد والصحافيون العراقيون، ترقد الآن على فراش المرض في بغداد. وكالعادة في المبادرات التضامنية المشابهة، فإنّ الأصوات تتعالى من أجل الاهتمام بحالتها الصحية المتدهورة، وما من ردّ حكومي سريع يليق بمكانة هذه الفنانة وتاريخها الطويل.
الرائدة المسرحية المولودة في بغداد عام 1942، تعدّ من النساء الأول اللواتي دخلن معهد الفنون الجميلة، قبل أن تخطو بثقة للتمثيل على مسارح بغداد، في مسيرة سجّلت فيها الكثير من المشاركات عبر مسرحيات «النخلة والجيران» (عن رواية غائب طعمة فرمان وإعداد وإخراج الراحل قاسم محمّد) و»ثورة الموتى» و»العاصفة». أسّست في أوائل السبعينيات في محافظة الأنبار، فرقة مسرحية من خريجي معهد الفنون، للتوفيق بين عملها كمشرفة تربوية هناك وولعها بالمسرح. يمكن القول إن آخر مشاركاتها كانت في مسرحية «نساء في الحرب» (2006) للمخرج كاظم النصّار، بعد تجارب معروفة في عقود سابقة مع إبراهيم جلال، وسامي عبد الحميد، وبهنام ميخائيل، وبدري حسون فريد، وربّما آخر مشاركة سينمائيّة لها هي في فيلم «كرنتينا» (2009) لمخرجه عدي رشيد.

ولعمرها وحراجة وضعها، ضجّت مواقع التواصل بالتنديد إزاء ما تواجهه صموئيل، خصوصاً أنّها بقيت حاضرة في المناسبات الثقافية والمهرجانات الأدبية، تجلس بين الجمهور وتستمع وتشجع، وهي تؤكّد عبر هذا الحضور صورة «الفنّان المثقف» الذي لا يكتفي بأداء أدواره في الدراما والمسرح والسينما.
وممّا لوحظ عنها ابتعادها من الإسهام في أعمال درامية منذ عقد تقريباً، في حين اقتصر وجودها على أداء مشاهد مُمسرحة تختارها هي وفق رغبتها، مثلما حصل عام 2012 في «مهرجان المربد الشعري» في البصرة، إذ قدّمت مشهدين مسرحيين قصيرين، الأوّل عن الحادث الإرهابي الذي لحق بكنيسة «سيّدة النجاة» في بغداد، والثاني عرض «بانتومايم» لمؤلفه الكاتب المسرحيّ عادل كاظم.
عُرفت الفنانة بمزاجها الحادّ وانضباطها الذي يفاجئك أحياناً بمستوى الإفصاح عنه، نتذكّر كيف عبّرت عن عدم شعورها بالسعادة عندما كرمت في «مهرجان قرطاج المسرحي» 2008. يومها قالت: «لم يكن مكان التكريم كالمكان الذي تخيّلته، والفنّان مخيّلته جامحة...


ترقد في أحد مستشفيات بغداد وسط إهمال رسمي
أنا قطعت آلاف الأميال وفكّرت لعشر سنوات ومن ثمّ ماذا، لم تكن العملية مثل تخيّلي، لم يتحقّق من خيالي شيء، العملية كانت متعبة ومضنية، فعندما يكون التكريم للعشرات لا يكون له طعم، كان من المفروض أن يكون لخمسة يستحقون، وفي مكان ينتبه إليه الجميع وليس في زاوية وعلى موائد طعام».
سيبقى اسم صموئيل تأسيسيّاً في المشهد الثقافي والفني العراقيين، فهي- مع عدد آخر من الفنانات بالطبع- فتحت الطريق لدخول النساء بقوّة إلى فضاءات الفن والمسرح والسينما. ولنا أخيراً أن نستعيد ما قالته ذات مرّة لنفهم أي روح تحمل وهي تتحدّث عن تسعينيات القرن الماضي وعملها المسرحي في أجواء الحصار: «التمرين كان مضنيّاً، من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً، متنقلة بين قاعات التمارين، كنت في عملي في هذه المسرحيات أتحدّى الحصار وأتحدّى نفسي مفجّرة كلّ الإمكانيات في داخلي كي أسخّرها وأضعها في محكّ المواصلة للرسالة الفنيّة كي تؤدّي دورها بفعاليّة معبّرة عن همّنا وما أصابنا من جرم».