في رمضان المقبل، سيكون المشاهد على موعد مع مسلسل من نوع جديد. للمرة الأولى يضيء «وراء الشمس» على حياة جزء منسي ومهمّش في المجتمع


وسام كنعان
بطل الدراما السورية في رمضان المقبل لن يكون ممثلاً مشهوراً. هو بالأصل ليس ممثلاً: إنّه علاء الدين الزيبق، شاب مصاب بمرض «متلازمة داون ـــــ Down Syndrome». يجسّد الزيبق في مسلسل «وراء الشمس» جزءاً من حياته اليومية، إلى جانب عدد كبير من نجوم الدراما السورية. وقع خيار المخرج سمير حسين على هذا الشاب السوري، بعد جولة طويلة من البحث عن بطل لمسلسله. وأراد المخرج من هذا الخيار، إضفاء لمسة واقعية وحقيقية على «وراء الشمس»، في محاولة للإضاءة على الحياة الاجتماعية لذوي الاحتياجات الخاصة كما هي من دون تجميل.
بعد اختياره الزيبق، بدأ حسين رحلة طويلة من التدريب والتمرين، لضمان ظهوره ظهوراً صحيحاً أمام الكاميرا، وللاعتياد على التعامل معها.
قصة العمل التي كتبها محمد العاص، تبدو جديدة على الدراما السورية من حيث الشكل والمضمون. إذ يطرح المسلسل تساؤلات أخلاقية، ودينية، وقانونية، وعملية في آن وأبرزها: هل يحق للأهل الذين يكتشفون في وقت مبكر من الحمل أنّ الجنين يعاني خللاً في الخريطة الجينية، أن يسقطوا هذا الجنين تخلصاً من تبعات مستقبله المأساوي؟ كما تسلّط هذه القصة التلفزيونية أضواءً كاشفة على عالم ذوي الاحتياجات الخاصة الذين حكم عليهم القدر أن يولدوا مع نمو عقلي بطيء، ويعيشوا تحت لافتة المهمشين في المجتمع. كل هذه الأفكار ستعرض في سياق حكايات درامية متقاطعة ومتكاملة، ومتصاعدة، مع شخصيات وإرادات متصارعة، ما يجعل العمل صرخة تذكّر بهؤلاء الناس.
إلى جانب الزيبق، سيقف بسام كوسا ليجسّد نموذجاً آخر من ذوي الاحتياجات الخاصة. إذ يلعب النجم السوري دور بدر المصاب بمرض التوحد autism لكنه يملك قدرة خارقة على تصليح مختلف أنواع الساعات. وهذه الموهبة توقعه تحت رحمة أحد الأشخاص الذي يستغل قدراته من دون أن يعطيه حقوقه، رغم أنه يعاني ظروفاً اجتماعية بائسة. وتكون والدة بدر عاملة في أحد المستشفيات، بينما تقضي أخته في السجن مدة حكم قضائي صدر بحقها.
هكذا رأى بعض المطلعين على تفاصيل العمل أنّ الدور سيكون نقطة تحول في حياة بسام كوسا، لأنه أحد أهم الأدوار التي جسّدها النجم السوري طيلة حياته الفنية. علماً بأنّ النجم السوري فرّغ جزءاً من نشاطه للمسلسل منذ بدء كتابة النص. كما عمل على الدور بأسلوب الورشة الدرامية التي قامت على نقاشات دائمة بين صاحب الدور والمخرج والكاتب والشركة المنتجة، للوصول إلى الصيغة الحقيقية لمريض التوحد وإمكان تجسيد الدور بحرفية عالية لا تبدو بعيدة عن بسام كوسا الذي يشرف فنياً على العمل ككل.
«المسلسل جديد في موضوعه وأسلوب عرضه ومعالجته، ويأتي في سياق درامي يجعل منه أنشودة صادقة على طريق الأمل بحياة كريمة تليق بالإنسان كيفما كان» يقول مخرج العمل سمير حسين. ويضيف: «أهمية المسلسل تأتي من فكرته الحساسة والخاصة جداً. إذ لم يُتطرّق إلى هذا الموضوع بهذه الشمولية في الدراما السورية، بمعنى أن يكون ذوو الاحتياجات الخاصة هم المحور الأساسي للعمل». ويشرح أنّ كل حالة من الحالات التي ستطرح في مسلسله، لها فرادتها وخصوصيتها المتعلقة بالبنية الاجتماعية التي يعيش فيها هذا الفرد، وبدرجة الإصابة التي يعانيها والعلاج الطبي والاجتماعي الذي خضع له المريض.
ويوضح حسين أنه اعتمد في معالجة نصه على مجموعة من الأسس، أهمّها كتابة الحكاية، والبنية الدرامية للنص التي استغرقت جهداً ووقتاً كبيرَين، امتدّا طيلة عام ونصف. وترافق هذا العمل مع توثيق طبي وعلمي للموضوع. وقد خضع النص منذ البداية لقراءة من الأطباء.


يلعب بسام كوسا دور شاب مصاب بمرض التوحد
كذلك أكد حسين أن العمل يقدم نماذجَ حقيقية عن ذوي الاحتياجات الخاصة تعكس جزءاً من واقعهم الحقيقي وتنهل من شخصية علاء الدين الزيبق. إلا أن المسلسل لا يقدم هذه الشخصيات لاستدرار العطف والشفقة. يقول حسين «نريد تقديم عمل درامي مع تمرير المستلزمات الطبية لهؤلاء المرضى».
إلى جانب ذلك، سيقف العمل وجهاً لوجه مع السؤال الصعب الذي يواجه الأهل إذا عرفوا أن الجنين سيعاني مشاكل: هل يقبلون به كما هو، أم يطلقون عليه رصاصة رحمة مبكرة تتمثل بالإجهاض؟ ويتجسّد ذلك في المسلسل من خلال خلاف زوج مع حماته بعدما علمت هذه الأخيرة أنّ العائلة سترزق بطفل سيكون من ذوي الاحتياجات الخاصة.
ورغم مرور بعض من هذه الأفكار في سياق أعمال درامية غير عربية، ومنها مسلسل تركي مدبلج، إلا أن «وراء الشمس» يبدو خطوة جديدة على الدراما السورية لا ينقصها العمق والجرأة.
إذاً، على المشاهد الانتظار حتى رمضان المقبل ليكون على موعد مع بسام كوسا، وعلاء الدين الزيبق ومجموعة من النجوم منهم: رضوان عقيلي، وصبا مبارك، وباسل خياط، ونادين خوري، وسليم صبري، وجلال الطويل، وثناء دبسي، وضحى الدبس، وميسون أبو أسعد، وعلي كريم...


تعاون رابع

«وراء الشمس» هو التعاون الرابع بين المخرج سمير حسين والكاتب محمد العاص. على مدى سنوات، قدم هذا الثنائي تجارب متنوعة تباينت الآراء حولها وهي: مسلسل «أسير الانتقام» و«ليل ورجال» و«قاع المدينة». كذلك، يكرر الكاتب والمخرج تعاونهما مع شركة «عاج للإنتاج الفني» بعدما أنتجت الشركة ذاتها عملهما «قاع المدينة» في رمضان الماضي. وكانت «عاج» قد بدأت مشوارها من خلال المسلسل الشامي «ليالي الصالحية»، ثم «باب الحارة» الجزء الأول والثاني. وهي أعمال أخرجها وأشرف على إنجازها المخرج بسام الملا (الصورة). إلا أن الشركة لجأت إلى خط آخر مع أعمال أكثر أهمية منها «الحوت» و«زمن العار».