دمشق ــ خليل صويلح

لن يجد المتفرّج في عرض «آخر ساعة» للتونسي عز الدين قنون ما ينتظره من بهر بصري وألعاب سينوغرافية، جرياً على ما اعتدناه في المسرح التونسي، حتى على مستوى تجارب قنون نفسه. كأن صاحب «رهائن» ضجر من الصراخ، وأراد أن يعود بالفرجة إلى أصولها الكلاسيكية، معيداً الاعتبار إلى الممثّل. في النص الذي كتبته وأدت الدور الرئيس فيه ليلى طوبال، مقارعة للموت من موقعٍ مغاير. الموت هنا ليس حدثاً فجائعياً بقدر ما هو استعادة لمحطات في العيش، وسخرية من الطقوس التي ترافق لحظة الغياب.
«آخر ساعة» هي المهلة التي يمنحها ملك الموت لـ«نجمة» (ليلى طوبال) كي تستعدّ للعالم الآخر. في ساعة واحدة، عليها أن تلملم شريط حياتها في مشاهد خاطفة ومتشظية تحاكم خلالها معنى الموت بوصفه وجهاً آخر للحياة. العرض الذي شهده الجمهور الدمشقي في «مسرح دار الأوبرا» أخيراً صياغة جديدة للإيقاع الداخلي للممثل، ونبش داخلياته بعنف في تشكيل حركي ينهض على إمكانات خيال الظل لجهة الظهور والاختفاء، إضافة إلى استعادة طريقة الحكواتي في السرد.
كرسي هزّاز يتوسط فضاء الخشبة، يتبادله الممثّلون لبناء حكاية تتقاطع أو تفترق مع حكاية أخرى. يصرخ أحدهم في ختام العرض «نحب نخرّف». كأن هذه الصرخة هي جوهر البهجة للممثل، أن يروي حكايته، وننصت إليها بإمعان. هكذا تدرز نجمة خيوط الحكاية في قماشة ذكريات، وإذا بها تحت وطأة الهذيان تكتشف حجم الزيف والنفاق الذي عاشته في محيط ممزق، يرى في الموت ذريعة للأحياء كي يعبّروا عن وجودهم وقيمهم وأوهامهم. دحر الموت بالتهكم منه إذاً، هو الأرضية التي ينسج العرض فوقها أسئلته الوجودية والفلسفية، من دون أن يحمّلها تلك التراجيدية الشكسبيرية للموت.
تلغي نجمة مواعيدها، وتنهمك في كتابة رسالة SMS على جهازها الخلوي هي وصيتها في كيفية دفنها، وإلغاء الطقوس التقليدية المتعارف عليها لحظة الموت. وتبلغ السخرية مداها حين تطلب إنشاء صفحة خاصة بها على «فايسبوك» للحديث عن موتها. يحضر الأب الغائب (بحري الرحالي) وصورة الأم التي ماتت لحظة ولادة نجمة، والمربية (ريم الحمروني)، والشقيق (أسامة كشكار) الذي فشل في تحقيق حلمه بأن يكون موسيقياً.


المخرج التونسي يعيد الاعتبار هنا إلى فنّ الممثل
يعمل النص على السرد المتناوب بين الداخل والخارج في إحالات تتجاوز معضلة الموت إلى مشكلة الحياة نفسها. الحياة التي تغرق في نيون إعلاني يحاصرنا طيلة الوقت. تسترجع نجمة عيّنات مما تحاصرنا به الفضائيات، فتختلط الفتاوى بالخطابات الثورية، الخبر العاجل من فلسطين أو العراق بأخبار العارضات، في خلطة سريالية، أفقدت حياتنا جانبها التأملي تحت وطأة الضجيج والعنف والحروب. تلاشي الزمن المقتطع قبل الموت يشحن نجمة بشغف الحياة ويعيدها إلى سؤال: ماذا لو كان الموت ليس نهاية الحياة؟ لنعش إذاً كما لو أن عمرنا مستمر ما بعد الموت، ونزيح جانباً تلك العتمة التي تجثم على الصدور. في هذه الرؤية الموشورية للموت، يقتحم النص جهات الحياة في فصولها المتبدلة، لصوغ بهجة مفتقدة وإعادة نظر في مسلمات خضعنا لأمثولاتها في معنى الفقدان والفراق والزوال.


8:30 مساء 16 و17 مايو (أيار) ـــــ «دوار الشمس» ـــــ للاستعلام: 01/381290