في 25 حزيران (يونيو)، وقّع مسؤولو المؤسسات الإعلامية في لبنان على «ميثاق الشرف الإعلامي لتعزيز السلم الأهلي» الذي نظمته «مهارات» في إطار مشروع «بناء السلام في لبنان» بتمويل من «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي». ميثاق يلزم موقّعيه بالتزام بنود أساسية في العمل الإعلامي، منها احترام الأديان والامتناع عن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية، وممارسة التحريض.


لتبيان مدى تطبيق هذا الميثاق، أطلقت «مهارات» سلسلة دراسات إعلامية بحثية عن هذا الموضوع. أولى دراستها يعود تاريخها إلى الشهر الماضي حول «رصد العنصرية في الإعلام اللبناني: تمثيلات «السوري» و«الفلسطيني» في التغطيات الإخبارية». وأمس، صدرت الدراسة الثانية التي مولتها «الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية» وبالتعاون مع UNDP التي ترصد «التحريض الديني وخطاب الكراهية». الدراسة التي أعدها عميد كلية الإعلام جورج صدقة، وأستاذة الإعلام جوسلين نادر، ومحامي «مهارات» طوني مخايل، ضمت تحليلاً في الكمّ والنوع للوسائل الإعلامية المحلية من مكتوبة (10 صحف) ومرئية (7) ومسموعة (8) ومواقع إلكترونية (5) حول قضايا لبنانية حضرت في شهر نيسان (أبريل) الماضي، وأيضاً قضايا عربية أخرى كالعدوان على اليمن والاتفاق النووي الإيراني.


دعوة إلى تحفيز
الفكر النقدي وتوسيع أفق المعالجات

تهدف الدراسة إلى تبيان التحريض الديني في تغطيات وسائل الإعلام اللبنانية لأحداث عدة، وتكشف مدى التزام هذه الوسائل ميثاق الشرف المذكور. طبعاً، كان من الصعوبة بمكان مقاربة موضوع الخطاب الديني في الإعلام نظراً إلى حساسيته العالية بما أنه متجذر بنحو كبير في المجتمع اللبناني الطائفي بامتياز، وله انعكاساته في المنابر الإعلامية، بما أن الأخيرة أيضاً منقسمة طائفياً وسياسياً. طرحت لهذه الغاية إشكاليات عدة من ضمنها دور الإعلام في التحريض الديني وإعادة إنتاجه، ومدى انعكاس انقساماته أوتوماتيكياً على طريقة التعاطي التحريضية مع هذا الخطاب.
وبغية عرض هذه الدراسة وإثارة النقاشات حول خلاصاتها، نظمت «مهارات» بالتعاون مع UNDP وبنك «التنمية الألماني» حلقة حوارية في أحد فنادق العاصمة اللبنانية ضمت عدداً من وسائل الإعلام المختلفة، اتسمت بتنوع وجهات النظر بين المتحاورين حول الوضع العام للإعلام اللبناني وارتباطه بالجسم السياسي وطرق تطويره للخروج من هذه التبعية في أزمنة الإقصاء والإلغاء، وانعكاس الأزمات العربية على الواقع اللبناني بخاصة الصراع المذهبي الذي تجلّى واضحاً في قضية الحرب على اليمن. وهنا، تبين هذه الدراسة مدى انخراط هذا الإعلام في هذه الحرب وتبادل الاتهامات في هذا الخصوص. وكان لافتاً في هذه المقاربة البحثية، التسجيل الواضح لعدم استخدام الخطاب الديني مباشرةً، بل كان ذا بعد سياسي ومذهبي، ولولادة مصطلحات دينية حضرت بقوة في الخطاب الإعلامي، خصوصاً على خلفية الحدث اليمني. وفي النتائج النهائية لهذا الرصد، ولا سيما في ما خصّ الملفين الرئيسيين اللبناني واليمني، يتبدى أن النبرة الاتهامية استهدفت بنحو كبير «حزب الله» وأمينه العام السيد حسن نصر الله في خطاباته، وسجلت الصحف نسبة 72%، وفي التلفزيون 50%، والإذاعة 62% في هذه الاتهامات مقابل تعاطي بنبرة اتهامية أيضاً تجاه السعودية و«آل سعود» وتيار «المستقبل» لكن بنسب أقل. فقد سجلت الصحف في هذا الخصوص نسبة 26% والتلفزيون 50% والإذاعة 38%.
ومن خلال ما تقدم وتسجيل هذه النسب العالية وتبادل الاتهامات والتحريض بين وسائل الإعلام اللبنانية المختلفة، إزاء قضايا خلافية محلية وإقليمية، قدمت الدراسة المذكورة توصيات عدة للجسم الإعلامي من ضمنها ضرورة تفعيل ميثاق الشرف ووضع استراتيجية لكيفية التعامل مع الخطاب الديني التحريضي، والأهم الإضاءة على الجانب الإيجابي من الأحداث اليومية وتحاشي التراشق الكلامي، وتحفيز الفكر النقدي في الإعلام وتوسيع أفق المعالجات.