صنعاء | استخدام أنبوبة الغاز المنزلية كان طريقة لجأ إليها يمنيون كُثر من أجل تصريف أمور حياتهم اليومية بعد الغياب التام للتيّار الكهربائي عن منازلهم إضافة إلى صعوبة الحصول على المشتقات النفطية. لقد اخترعوا وسيلة لتحوير مولدات الكهرباء كي تصبح مستعدّة للعمل من طريق الغاز المنزلي. هو أمر المقاومة بالحيلة والاختراع والابتكار التي بدأها سائقو عربات النقل الجماعي التي أنتجت تلك الطريقة وصارت متاحة بين أيدي حاجات الناس الأخرى.


لم يكن أهل الصحافة الأهلية والحزبية بعيدين عن ذلك الحاصل من حولهم، فذهبوا لاستخدام أنابيب الغاز نفسها من أجل تحريك الحياة في المكاتب الفنية التابعة لصحفهم كي تكون قادرة على إصدار أعدادها اليومية والأسبوعية.
ولا يخلو الأمر من أخطار بطبيعة حال مادة الغاز نفسها واحتمال حدوث تسرب وحوادث نتيجة لذلك، ما يضع حياة العاملين في الخطر. لكن يبدو أن فكرة الحديث عن تلك الأخطار مسألة لا معنى لها وقد صارت حياة كل اليمنيين تحت سقف العدوان السعودي وصواريخه التي لم تعد تفرّق بين هدف عسكري ومدني أو بين مدرسة ومركز تخزين أسلحة. يقول عبده أحمد وهو عامل في جريدة «الثوري» الناطقة بلسان الحزب الاشتراكي اليمني إن احتمال وقوع اشتعال في مقر الجريدة بسبب تسرب الغاز يكاد يعادل احتمال سقوط صاروخ من طائرة سعودية على المكان «وفي النهاية لا بد من عملنا وحياتنا أن تستمر رغم كل شيء». ويقع مقر الجريدة في وسط صنعاء وفي منطقة قريبة ومجاورة لعدد من المواقع الحكومية وكلية للشرطة تعرضت وتتعرض جميعها لهجوم صاروخي مستمر كان آخره مساء الثلاثاء. ولم يتوقف إلا مع فجر اليوم التالي وأحدث حالة من القلق الشديد لدى العاملين في «الثوري» بسبب الاهتزازت العنيفة التي نتجت من عمليات القصف المستمرة للمحيط.
في المقابل، ما زالت صحيفة «الثورة» الرسمية الأولى تواصل إصدارها مع خفض عدد صفحاتها، لكن يبقى وضع الجريدة والعاملين فيها أفضل من غيرهم بسبب الدعم الحكومي الذي ما زال يُقدم لها. أمر لم يتوافر لعشرات الصحف الأهلية والحزبية التي لم تقدر على الاستمرار وأعلنت توقفها لأسباب كثيرة، منها عدم توافر التيّار الكهربائي وعدم ملاءمة الخيارات البديلة لطبيعة المقارّ التي تقيم فيها. وقررت بعض الصحف الممولة من مال الرئيس السابق علي عبد الله صالح توقفها بعدما كانت تعتمد على التوزيع بدرجة رئيسية في تحصيل مداخيلها، وفق ما أعلن القائمون عليها، وهو الأمر الذي صار محصوراً في عدد محدود من المدن اليمنية فيما بدا التوزيع مستحيلاً في مناطق ما زالت تحت دائرة الاحتراب الداخلي. لكن صحيفة واحدة هي «اليمن اليوم» ما زالت تداوم على صدورها يومياً وهي الجريدة الناطقة علناً باسم الرئيس السابق ولديها من الإمكانات المادية ما يجعلها تواصل صدورها غير آبهة لأي خسائر مالية قد تلحق بها، حيث إماكانات التغطية على ذلك متاحة على الدوام.
في المقابل، كان لافتاً استئناف صدور بعض الصحف الأهلية المعروفة بقدرتها على استثمار أوقات الأزمات واللعب عليها بنبرة شعبوية قريبة من أهواء العامة ومتطابقة مع خطاب الحاكم نفسه أو الجماعة المسيطرة على الأرض. ولا يعرف أحد من أين تحصل تلك الصحف على أدوات صدورها ومصادر تمويلها، ولا تكون حريصة على أيّ معايير مهنية في تنفيذ شغلها، معتمدة دائماً على عناوين كبيرة، فيما لا يسندها أي مضمون أو حقائق داخل العدد.
وخلال كل هذا الحاصل، تبقى جماعة الصحافيين الذين أُقفلت جرائدهم هي الخاسر الأكبر، حيث لا عقود عمل تحفظ حقوقهم، ولا نقابة تحمي مستحقاتهم، ولا تعويض مادي، ولو في مستواه الأدنى، يضمن لهم العيش إلى حين اتضاح الوجهة التي يذهب إليها الوضع القائم. وهكذا يظهر هؤلاء في موقع الضحايا الذين لا يعرف بمصيبتهم أحد.