أول ما يلفت النظر لدى قراءة الترجمة العربية لكتاب ألان غريش «الإسلام والجمهورية والعالم» (دار الساقي ـــ ترجمة جلال بدلة ـ 2015) هو ضلوع مؤلفه في التراث الإسلامي والعربي ومعرفته الوثيقة بالمراجع الدينية والوقائع التاريخية وقراءته الواسعة للمصادر المتعلقة بموضوع كتابه.

من المتوقع أن يكون رئيس التحرير السابق لصحيفة «لوموند ديبلوماتيك»، ضالعاً في الشؤون السياسية العالمية، لكن إدراجه في كتابه آيات قرآنية ووقائع ومصادر يعرفها قليلون، كان مثيراً للإعجاب والدهشة معاً. ولد غريش عام 1948 في مصر لأم روسية وأب مصري بالتبني. تابع المراحل الأولى من دراسته في مصر حيث عاش طفولته وصباه قبل الانتقال إلى فرنسا وإكمال مسيرته العلمية والعملية وحياته. هناك اكتشف أنّ والده البيولوجي كان مناضلاً شيوعياً ثوروياً فرنسياً سُجنَ ثم اغتيل عام 1978 بسبب مواقفه. هذه العوامل وغيرها أنتجت شخصية فكرية وثقافية متعددة الجوانب، وإنساناً عالمي الانتماء يتقن اللغات (من بينها العربية) ويفهم المجتمعات المختلفة.
تأخرت ترجمة كتابه من الفرنسية (2004) إلى العربية. ولدى سؤاله عن هذا الموضوع خلال «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» الذي حضره لتوقيع الكتاب والمشاركة في ندوة عنه، أجاب غريش: «لا أعرف. كنت مهتماً بترجمته، ولكن دور الترجمة والنشر لم تشاركني هذا الاهتمام». وأضاف: «ربما شعرت هذه الدور أنّه بعد الذي حدث في فرنسا من اعتداءات وعمليات إرهابية، أصبحت ترجمته ذات قيمة أكبر».
التقاعس والتأخر في ترجمة الكتاب ربما يعودان إلى فحواه الذي يناقض عموماً التوجّه الفكري الفرنسي في العقود الأخيرة الذي يعتنق «علمانية استشراقية الهوى» تستمر في سعيها «لأبلسة» الاسلام والشعوب الإسلامية والعربية، كما وصفها الزميل بيار أبي صعب في الندوة حول الكتاب. ويعتنق هذا التوجّه عدد كبير من قادة فرنسا السياسيين والفكريين والإعلاميين، خصوصاً في السنوات العشرين الأخيرة.
أبرز ما أورده غريش في الفصل الأول من كتابه بعنوان «صراع الحضارات» هجومه على نظريات الكاتبين صموئيل هنتنغتون وبرنارد لويس وعلى الذين ساروا في نظريتهما القائلة بأنّ «الغرب المسيحي» يتفوق في حضارته على «الشرق المسلم» وأنّهما في صراع مستمر. يعيد غريش التصاعد في اعتناق هذه المبادئ إلى اعتداءات 11 ايلول (سبتمبر) 2001 على نيويورك وواشنطن. يقول إنّه لا ريب بأنّ هذه الاعتداءات أطلقت العنان للحديث سلباً عن الإسلام، وتسمية الآخر بالعدو الخطير وربط الموضوع بالمسلمين المهاجرين إلى فرنسا والقاطنين الضواحي الفرنسية.
هذا الموقف السلبي ــ وفق غريش ــ شارك فيه قادة فرنسيون وأوروبيون وأميركيون بينهم رئيس الوزراء الإيطالي السابق سلفيو برلسكوني الذي قال في الفترة نفسها (ايلول 2001): «علينا أن نكون مدركين لتفوّق حضارتنا. إنّها منظومة من القيم تكفل احترام حقوق الانسان والحريات الدينية».
أما على الصعيد الفكري، فيقول غريش إنّ الأستاذ الجامعي البريطاني برنارد لويس، المقيم في الولايات المتحدة، «هو بالتأكيد أكثر مَنْ غذّى فكرة المجابهة بين الإسلام والغرب خلال الأعوام الماضية. وهو شخصية أكاديمية وسياسية فاعلة ومقربة جداً من بول وولفويتز، أحد المحافظين الجدد في إدارة بوش الابن الأميركية، ويُعَدّ من أنصار السياسية الإسرائيلية والحرب على العراق عام 2003 (كان أحد مهندسيها)». ويُعتَبرُ لويس منشئ مُصطَلح «صدام الحضارات» الذي يرى فيه، وفق غريش، «ردّة فعل لخصم قديم (الاسلام) ضد موروثنا اليهودي المسيحي وحاضرنا العلماني».
وفي عام 1993، لاقى موقف لويس رواجاً بعد مقالة لصموئيل هنتنغتون في مجلة «الشؤون الخارجية» الأميركية قال فيها إنّ «أسباب انقسامات الإنسانية في المستقبل ستكون ثقافية، والنزاعات السياسية العالمية الرئيسة ستدفع أُمماً وجماعات تنتمي إلى حضارات مختلفة لمجابهة بعضها بعضاً». هذه الرؤية لصدام الحضارات، يقول غريش في الكتاب «تقوم أساساً على تعارض بين هويتين مختلفتين هما الإسلام وحضارة الغرب (سمّياها الحضارة اليهودية المسيحية)».
ووفق منطق لويس وهانتغتون، يقول غريش: «لم يثر الايرانيون ضد ديكتاتورية الشاه، ولا يقاتل الفلسطينيون ضد احتلال اسرائيلي لا نهاية له. وإذا ما كره العرب الولايات المتحدّة، فليس بسبب دعمها لارييل شارون أو احتلالها العراق، بل إنّ ما يرفضه المسلمون هو الحرية والديمقراطية».
ويعتبر المؤلف أنّ لهذا التصور نتيجتين سياسيتين أولاهما أنّ لا جدوى من إيلاء الاولوية لإزالة الظلم الذي يعصف بالعالم الإسلامي، كما في فلسطين والعراق أو في حل المشاكل الاجتماعية للمهاجرين في الغرب، فهم يكرهون الغرب، وثانياً لا إمكانية للحل لأن نضال الفلسطينيين والمقاومة في العراق والأحداث ضد اليهود في فرنسا وتمرد شباب الضواحي جميعها تعود إلى هجمة عامة للاسلاموية! وينسى لويس أنّ ما يسميها «حضارتنا اليهودية-المسيحية» في أوروبا وأميركا، حسب غريش، ظلت لفترة طويلة لا تقبل اليهود إلا بصعوبة.
ويتساءل غريش في الفصل الثاني بعنوان «عن الإسلام والمسلمين»: «هل سنتمكن من نبش مفتاح الأفعال المتطرفة للقاعدة وأسامة بن لادن بمقطع من القرآن؟ وهل من الممكن الاعتقاد بأنّ الإسلام يمكنه تعريف واقع العالم المسلم وسلوك أكثر من مليار مسلم في العالم حالياً؟ ما يميز العالم الإسلامي هو عدم تجانسه. هناك 75 دولة في «منظمة المؤتمر الإسلامي» وتتعايش في هذه الدول أنظمة سياسية شديدة التنوع». فمن الخطأ، برأيه، إطلاق التعميم على المسلمين ومعتقداتهم وتصرفاتهم كمجموعة عالمية متطرفة أو غير متطرفة من دون الأخذ بهذا الواقع. ووفق قول ماكسيم رودنسون، يقول غريش: «العقيدة الدينية تلعب دوراً معيناً لكنها لا تسمح بفهم جوهر ما يؤسس حياة وتاريخ المجتمعات الاسلامية المتنوعة... ولا يمكن اختزال المجتمعات الى معتقداتها الدينية».
كما يستشهد غريش بموقف مشابه لادوارد سعيد في كتابه «تغطية الاسلام» حيث يقول سعيد: «عندما نتحدث عن المسيحية، فإننا نأخذ في الحسبان الوقائع المتغيرة والمتناقضة أحياناً للشعوب المسيحية في ألفي عام من التاريخ. لكن عندما يتعلق الأمر بالإسلام وعندما نتحدث عن الإسلام، نُلغي الى حدّ ما وبشكل آلي الزمان والمكان. يحدّد مصطلح الإسلام جزءاً مما يحدث في العالم الإسلامي الذي يشمل مليار نسمة ويتضمن عشرات الدول والمجتمعات والتقاليد التراثية واللغات والتجارب المختلفة».
يقدّم غريش الى سعيد ورودنسون عرفانه وتقديره وشكره الكبير، في مقدمة كتابه، قائلاً إنهما ساعداه في فهم العالم المسلم والاسلام بصورة أفضل وفي تكوين مقاربة إنسانية تقوم على إرادة فهم الآخر بعيداً عن المخاوف والاستيهامات والتعميمات السلبية التي من شأنها جرّنا الى حرب بين الحضارات.

انتقد إخفاق اليسار الفرنسي في استقطاب الشباب كما الشباب المهاجر

وفي الفصل العاشر من كتابه، يربط غريش مواقف سعيد عن الكولونيالية وتطبيق المعايير الانسانية الانتقائي وحرمان شعوب العالم الثالث من حقوق الانسان بالتناقضات التي تشوب الخطاب السياسي الفرنسي حالياً والمرتبطة بما يحدث من أعمال ارهابية في فرنسا. يقول غريش: «كان اعلان حقوق الانسان عالمياً، ولكن لا يمكن تطبيقه على الشعوب «المتخلفة»». ويضيف الكاتب إنّ تقسيم الانسانية الى «حضارية» و«بربرية» الذي استخدمته الإدارة الأميركية في حربها ضد الارهاب استند الى «شبه» علم جديد هو الاستشراق الذي حدّد ادوارد سعيد وجهه المزدوج القائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق والغرب، بينما العلاقة بين الغرب والشرق هي علاقة سيطرة وعلاقة سلطة وهيمنة.
وتحدث غريش في الندوة التي نُظمَت على هامش «معرض بيروت» عن نقطة التحول في السياسة الفرنسية الرسمية تجاه العالم العربي الإسلامي، وقال إنّ موقف حكومة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ووزير خارجيته دومينيك دو فيلبان كان مشرفاً في معارضتهما للغزو الأميركي للعراق عام 2003. ولكن شيراك بدّل موقفه لاحقاً وشعر بضرورة التعويض لإدارة بوش ولإسرائيل عن هذا الموقف، فأصبحت سياسات حكومته اكثر أطلسية. وتابع هذا الموقف خليفته نيكولا ساركوزي، وأصبح الموقف في قمة سلبيته في حكومة فرنسوا هولاند ووزير خارجيته الحالي لوران فابيوس، وتعاطفهما المتزايد مع اسرائيل وحلفائها في المنطقة.
يقدّم غريش الى سعيد ورودنسون عرفانه وتقديره

كما انتقد غريش في الكتاب إخفاق اليسار الفرنسي في استقطاب الشباب والشباب المهاجر من دول المغرب العربي ودفعه نحو الاندماج والشعور بالانتماء الى المجتمع الفرنسي، علماً أنّ الشباب الفرنسي من أصل مغاربي كان من أكثر المتحمسين لفوز اليسار (بقيادة الحزبين الشيوعي والاشتراكي) في انتخابات فرنسا في العقود الماضية. وكان الشبان والشابات المغاربة يجوبون الشوارع الفرنسية بسياراتهم احتفالاً عندما فاز اليسار انتخابياً بقيادة فرنسوا ميتران وجورج مارشيه، وشعروا وكأن أبواب فرنسا فُتحت أمامه.
أما حالياً، وبعدما ابتلع الحزب الاشتراكي حليفه الحزب الشيوعي الفرنسي واتخذ مواقف شبيهة لمواقف خصومه في ضغوطه على المسلمين وتعاطفه مع اسرائيل، فإنّ الشعور بالتهميش لدى عرب فرنسا تفاقم.
وفي الفصل الثالث من الكتاب، يتحدث غريش بعمق عن نشوء فكرة الاسلاموية والدول الاسلامية وتطورها الى ما وصلتا اليه اليوم، مما زاد من تصاعد الخوف الغربي من الاسلام (الاسلاموفوبيا)، مؤكداً أنّ السياسيين وقادة وسائل الإعلام في فرنسا والعالم الغربي أسهموا بشكل أساسي في التصعيد وتشنّج المشاعر. كما طرح في هذا الفصل ضرورة أن يُعرّف القانون الدولي مفهوم الإرهاب تعريفاً اكثر وضوحاً، ويؤكد على وجود إرهاب الدول الى جانب إرهاب المجموعات والتنظيمات المسلحة.
وفي خاتمة الكتاب، يقول غريش إنّ هذا المشروع الذي يقسم العالم بين «نحن» و«هم» هو مشروع مدمّر وسائر في الطريق نحو حرب أهلية، ويجب أن يقف ضدّه مشروع آخر يرتكز إلى المواطنة وإقامة الحقوق نفسها للمواطنين جميعاً، فتنشأ نتيجة ذلك إرادة مشتركة للعيش معاً بوئام.