بغداد | نوبة قلبية مفاجئة في بغداد أوقفت مسيرة النحات اياد حامد (1970- 2015)، ومعها نخسر طاقة كبيرة على مواصلة إبداعات ما بدأ به الروّاد في هذا الفن. للراحل خصوصيّة أقرّ بها من تابع تجربته، وهي تصوير وجود الإنسان، وتجسيد ذلك رؤية وشكلاً في معظم أعماله ضمن صراع بيّن في مواجهة الواقع وتناقضات المحيط الخارجي.


ثمّة ارتباط وثيق في أعماله، بين متلازمتين أساسيتين، الشكل الجاذب للناظر وحركة في الجسد تفضي إلى دلالة ما أو تمثيل لهواجس وأفكار عبّر عنها في تجربته التي كان مقدراً أن تستمرّ بنجاح أكبر لو لم يخطفه الموت باكراً.
وربّما يكون فوزه بجائزة «إسماعيل فتّاح الترك» الفضيّة للنحّاتين الشباب (2000)، من أهم الاستحقاقات المحليّة التي نالها منذ أوّل إطلالة له في معرض «النحت المعاصر» عام 1992، قبل سنتين فقط من نيله شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة في بغداد (قسم النحت).
البرونز كان المادّة المفضّلة لدى حامد في اشتغالاته النحتيّة. نتذكّر الإمكانية التي سخّرها في معرض «رماد الذاكرة» عام 2010 في قاعة «مدارات» في بغداد، حيث الإحساس الذي يعتمل في دواخل الإنسان المجسّد في العمل، يتحوّل إلى فعل ومعنى في الخطاب البصري الذي يقدّمه، فضلاً عن الذهاب بعيداً في إبراز الفكرة، فهو بعيد من الامتثال لقوالب النظريات أو الاستعادة التقليديّة للموروث المحليّ أو البعد التاريخيّ. ربّما أراد حامد أن يأخذ المتلقي إلى أقصى مدى ممكن من التأويل والقراءة اللاحقة.
أمّا السبب الجمالي الذي يقف وراء التزامه بتوظيف «البرونز» في أعماله؛ فعزاه إلى أنّه «مادّة النحّات السومريّ الذي أنتج بها روائعه النحتيّة، وهي تعبّر أيضاً عن جغرافية المكان الذي أنتمي إليه وأعمل فيه».
معرضه الشخصي الثاني في قاعة «ألق» في بغداد في نيسان (أبريل) 2015، وثّق لانتقالة واضحة في تجربته، أبرزت قدرة مضافة في التعبير عن «الإنسان» الباحث عن الخلاص من قيود تحكم حركته، حيث الإطار المربع الذي يحيط بكلّ هذه الحركة، يضيف بعداً تأويليّاً جديداً لما قدّمه قبل خمس سنوات، مستثمراً الثنائية القديمة (الإنسان المقيّد، وحصانه الذي يشق طريقه بصعوبة)، مع أعمال تؤرّخ لتطلّع ثلاث أو اثنين من الذوات البشريّة مثقلة بالحديد تكابد أسر الفضاء المحيط بها.
في اللقاء الوحيد الذي جمعنا قبل أيّام فقط بحامد، كان محبطاً للغاية من مكانة الفنان في البلد، إذ ردّ على عبارات الثناء بحقّ ما أنجزه: «ما الذي أفعله بكلّ هذه الأعمال إذا لم أكن سعيداً ومرتاحاً؟!». لم تقتصر تجربته على فاعليته في المشهد الإبداعي، بل هو أيضاً رئيس فرع النحت في معهد الفنون الجميلة منذ عام 2012.
هو الآن غائب أبديّ، لعلّه ذهب ليرتاح بعيداً مغادراً عالمنا بصمت، لكنّ ما تركه ينطق بالكثير. ستظلّ قاعات بغداد وصالاتها تحتفظ له بذكرى الجمال الذي بثّه هنا وهناك، متحدّياً ظروف البلاد، وبغداد بالأخصّ، وهي تعرقل بتقلّباتها وجوّها السياسي والأمني، ديمومة الإنتاج الإبداعي وحضور أصحابه.