أخيراً، أُعلن بشكل رسمي بدء أعمال الترميم في «مبنى بركات». المنزل الذي كتب له أن يقع على «خط التماس»، سيجمع شتات ذاكرتنا التي ابتلعتها المضاربات العقارية وأوهام الإعمار


جاد نصر الله
لن تنتهي فصولاً حكاية «البيت الأصفر»، أو «مبنى بركات» المعروف في منطقة السوديكو. فصل جديد من حكاية المبنى الذي يقع على خط التماس السابق، شاهداً على أهوال الحرب الأهلية اللبنانية التي تصادف اليوم ذكراها الـ35 (13 نيسان/ أبريل 1975)، انطلق هذا الشهر مع الإعلان الرسمي عن بدء أعمال الترميم من السرايا الكبيرة، علماً بأنّ هذا الإعلان جاء بعد معركة، دامت 13 عاماً، شنّتها المعماريّة اللبنانية منى حلاق (راجع صورة البرواز) بهدف المحافظة على المبنى. إذاً، صار الأمر رسميّاً، ولم تعد الوعود وحدها ما يطمئن قلوب الحريصين الذين رفعوا الصوت عالياً على مرّ السنين.
أخيراً، سوف تتحول حجارة دير القمر التي صمدت عند الخط الوهمي الفاصل بين «مدينتين» وهويتين لبلد واحد، إلى متحف يروي تاريخ بيروت عبر القرون، ويسجِّل تاريخها الحديث ومستقبلها الآتي.
انطلاقاً من فكرة عدم حصر الوظيفة الجديدة للمتحف/ المنزل بالتاريخ الأليم للحرب فقط، قررت بلدية بيروت بالتعاون مع «اللجنة العلمية» المستحدثة، منح «مبنى بركات» أو «المنزل الأصفر» الذي صمّمه المعمار يوسف أفندي أفتيموس (1866 ـــ 1952) اسماً جديداً هو «بيت بيروت». إلى جانب توثيقه لتاريخ المدينة، سوف يضم البيت مجموعة فضاءات ووظائف جديدة قادرة على إيجاد مناخات إبداعية ومتحركة شهدتها العاصمة قبلاً، لكن لم يكتب لها الاستمرار، في غياب الدعم الرسمي الذي تتعهّد الدولة بتقديمه اليوم لهذا البيت الجديد.

سيتحوّل المبنى إلى متحف وملتقى ومكان لحفظ الأبحاث التي تتناول بيروت عبر التاريخ
لنعد قليلاً إلى الوراء. صدر في تاريخ 26 حزيران (يونيو) 2003 المرسوم رقم 10362 الذي قضى بإقامة «متحف وملتقى ثقافي وفنّي وحضاري، ومكان لحفظ الأبحاث والدراسات التي تتناول مدينة بيروت عبر التاريخ (...)». في عام 2006، وقَّعت بلديتا بيروت وباريس اتفاق تعاون شمل ترميم «البيت الأصفر». وقد ألّفَت بلدية باريس لجنة من معماريين بهدف مساعدة بلدية بيروت على وضع برنامج للمتحف، واختيار معماري لبناني لإعادة التأهيل. وفي العام الماضي، وقع الاختيار على يوسف حيدر، بعدما انحصرت المنافسة بين أربع شركات مختارة من قبل البلدية. يتمتع المعماري المذكور بخبرة جيّدة في ترميم الأبنية الأثرية، والعمل على المشاريع التي تتطلّب فضاءات وسينوغرافيا خاصة تعطي للمتحف هويته، وإن كان البرنامج الوظائفي المحدد لـ«المنزل الأصفر» هو الأول من نوعه في لبنان. في سجل حيدر المهني العديد من الأعمال الترميمية التي أجراها في وسط بيروت. كما وضع بصماته على خان الصابون في مدينة طرابلس، والجامع العمري والمتحف الخاص في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى إعادة تأهيل العديد من الأبنية التراثية.
ورغم أهليّة حيدر لتنفيذ مشروع بهذا الحجم، والوقت الطويل الذي استُغرق في التخطيط لعملية تلزيم المنزل، فقد أخذ بعضهم على بلدية بيروت عدم اعتماد نظام المباراة المعمارية المفتوحة، ليشارك فيها جميع المعماريين اللبنانيين.
ستواكب عمل حيدر لجنةٌ من معماريين ألّفتها بلدية باريس، و«اللجنة العلمية» التي عملت على وضع برنامج المتحف، علماً بأنّ دور «اللجنة العلميّة» هو استشاري بحت، وهي متنوّعة الاختصاصات والمعارف العلمية. إذ تتألف من مي حلاق، والمعمار حبيب الدبس الرئيس السابق لجمعية apsad المعنيّة بالحفاظ على التراث، وروبير صليبا الموثق لتاريخ بيروت المعماري؛ إضافة إلى ممثلي كليات العمارة في الجامعات، وسيرج يازجي وكارلا إده عالمة التاريخ، وسوفي بروم التي عملت على ذاكرة المدينة في باريس، ولين معلوف وفرانك ميرمييه المدير السابق لـ«المعهد الفرنسي للشرق الأدنى» ifpo.
عقدت اللجنة حلقات نقاش حول طاولة مستديرة، قبل أن تضع برنامجها على المستويين النظري والهندسي التقني. وكان من ضيوفها جاد تابت وفواز طرابلسي ولقمان سليم الذين تناولوا مسألة الذاكرة الجماعية للشعب اللبناني، إضافة إلى ميشال كولادير ولورين سيغيل من أفريقيا الجنوبية التي كان حضورها مميزاً. إذ أفادت اللجنة من عضوية هذه الباحثة التي اقترحت إنشاء مساحة خاصة مفتوحة لجميع اللبنانيين، تتيح سرد تجاربهم الشخصية التي خاضوها خلال الحرب الأهلية. وقد تم الاتفاق على أن تذكر هذه المرحلة السوداء من تاريخ لبنان في المعرض، شرط ألا يكون المتحف مجمَّداً في التاريخ.
أغراض طبيب الأسنان فؤاد الشمالي وزوجته ستعود إلى مكانها
في البرنامج الجديد، ستبقى الطبقة الأرضيّة والطبقة الأولى على حالهما. رصاصات ومتاريس القنّاصين ستبقى حاضرة لترسم معالم حقبة أساسيّة من تاريخ لبنان عايشها المنزل. أغراض طبيب الأسنان فؤاد الشمالي، الذي سكن منذ عام 1943 في إحدى شقق الطبقة الأولى، سوف توضع في مكانها بعدما جمعتها منى حلاق في التسعينيات وعرضتها ضمن عمل تجهيزي في عام 2001، ثم ضمن عرض استعادي العام الماضي. ملابس وأحذية وأدوات منزلية ورسائل حبّ تبادلها مع زوجته الإيطالية دوروثي بوليزافيتش التي تركت المنزل بموجوداته بعد وفاته في عام 1973. والوظيفة الثانية الأساسية للمبنى تكمن في المعرض الذي يحكي تاريخ بيروت من القرن التاسع عشر، مروراً بحياتها الصاخبة في العشرينيات والثلاثينيات، وصولاً إلى تسعينيات القرن الماضي وزمن المضاربات العقارية الذي ذهب بالقسم الكبير من عمارتها التراثية والكولونيالية. وسوف توضع جميع الوثائق والصور وأرشيف بلدية بيروت في متناول العامة، كي لا تقتصر الدراسات والأبحاث على كبرى مكتبات الجامعات الخاصة في لبنان. أما الطبقة العلويّة فستجدّد لتصبح صالةً كبيرةً متعددة الوظائف، تقام فيها معارض مؤقتة لفنانين وموسيقيين وحرفيّين في لبنان والعالم العربي والعالم، وذلك في محاولة لخلق حالة ثقافية دائمة، همّها شحذ طاقات الشباب اللبناني.
لن تتسع مساحة «مبنى بركات» لمختلف الأفكار المعروضة. لذلك، سيستحدث مبنى إضافي على العقار نفسه هو عبارة عن «مرصد مديني». وفي حال إنجاز هذا المشروع، سيحقّق المرصد مطلب العديد من المعماريين والباحثين الذي دأبوا في السنوات الماضية ، من خلال أخلاقيّتهم المهنيّة، على التعامل مع بيروت كمدينة لها جذورها لا كسلعة تجارية. سيكون هذا المرصد مركزاً لإحصاء جميع المشاريع العقاريّة والهندسيّة التي تقام في لبنان، ويمكن من خلاله رصد تحوّلات المدينة وتغيّراتها، وربما تكوين جبهة واحدة فاعلة للحفاظ على ما بقي منها... ومن ذاكرتنا.