زينب مرعي

قُرعت طبول الحرب في إسبانيا، والثورة في فرنسا... فاستجابت الرواية وحضرت في الصفوف الأماميّة. المعارك والنزاعات أنتجت أدباً رفيعاً وثّق للحروب الوطنيّة. كما ألهم النضال، من أجل أفكار إنسانيّة سامية، كتّاباً انخرطوا فيه، في أزمنة مختلفة. وكان من أبرزها رواية «الحرب والسلم» لتولستوي، أو «لمن تُقرع الأجراس» لهمنغواي و«الأمل» لأندريه مالرو عن الحرب الإسبانية، و«ثلاث وتسعون» لفكتور هوغو عن الثورة الفرنسية. فماذا عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي تضاربت فيها المواقف والخطابات والادعاءات؟
أنتجت الحرب اللبنانيّة حتماً رواية مختلفة. كتب بعضهم أدباً من داخلها، بمنطقها ومفرداتها... وكتب أكثر من خارجها وضدّها: معظم الروائيين اللبنانيين كتبوا انسلاخهم عن هذه الحرب. أمام انهيار النسيج الوطني والاجتماعي، فرّ الكتّّّاب من أتونها المشتعل، أخذوا قصصهم إلى أماكن أكثر أمناً. في روايات حسن داوود مثلاً، تدور الأحداث في جزيرة أو منطقة حفريات (نزهة الملاك) أو في زمن سبق الحرب (سنة الأوتوماتيك). بالنسبة إلى الناقد جورج دورليان، الحرب لم تكن نقطة مفصليّة في حياة الرواية اللبنانية، بل كانت تدور غالباً على أطراف الحبكة. نسمع أصوات قذائفها ونتبع بعض النازحين، لكنها ليست القصة الرئيسة. في المقابل، نجحت الحرب في ترك أثرها على الشخصيات. فإذا بها مفكّكة، لاعقلانيّة، تتخبّط في حالات الضجر والملل، ولا تشعر بالانتماء. وأسهم اندلاع الحرب في التشديد على تيمة البحث عن الهويّة الحاضرة بقوة في الرواية اللبنانية، مثل «ليرنغ إنغليش» لرشيد الضعيف، و«مطر حزيران» لجبور الدويهي.
أما الناقدة رفيف رضا صيداوي فتختلف مع دورليان، معتبرةً أنّ الحرب الأهليّة كانت نقطة مفصليّة في الرواية اللبنانية. صحيح أنها لم تقم بعمل أرشيفي، أو لم تكن الحرب المادة الأساسية فيها، باستثناء روايات قليلة مثل «أهل الهوى» لهدى بركات أو «الجبل الصغير» لالياس خوري، «لكن رؤيتنا للأمور ليست إلا نتيجة الحرب» تقول رفيف صيداوي. وتضيف إنّ الانطلاقة والتغيّرات الأسلوبية، التي عرفتها الرواية في زمن الحرب، تشير إلى أنّ الحرب كانت نقطة مفصليّة في عالم الرواية. في ذاك الزمن، انتهى الإيمان بالحقيقة، وانهارت الطموحات والأمل بإصلاح أوضاع الدولة التي كانت سائدة في الستينيات.
من المفيد أن نتذكّر هنا روايتين استشرافيّتين، سبقتا الحرب. في «أربعة أفراس حمر» (1962)، صوّر يوسف حبشي الأشقر المثقّفين بأنّهم غير راضين عن بنية بلدهم. أما في «طواحين بيروت» (1973) لتوفيق يوسف عواد، فبرزت تناقضات المجتمع اللبناني ولاح شيء ما في الأفق القاتم. يمكن أن نضيف أيضاً رواية «بيروت 75» لغادة السمّان، حيث نستشف في مستشفى المجانين الكبير البركان الآتي.
يتفق جورج دورليان ورفيف صيداوي على أنّ الحرب لم تخلق شرخاً في السياق الأدبي على مستوى المواضيع، بين ما كانت تعالجه الرواية قبلها وبعدها. «هي لم تتغيّر لأنّ الأدب هو إنساني أولاً» تقول رفيف صيداوي. بقيت مواضيع الحب، والحياة، والموت، والبحث عن الهوية... إلى جانب موضوع الحرب المستجدّ. هناك أيضاً القضية النسائيّة التي تناولتها مثلاً علوية صبح. لكن تأثير الحرب كان أقوى على طريقة السرد، فتغيّرت معها كثيراً. تشظّى الأسلوب والزمن في الرواية، وانتهى زمن البطل الإيجابي. صارت الرواية تركّز على البطل السلبي أو الإشكالي. ويلاحظ دورليان أن «الرواية اللبنانية بمعظمها «رواية ريف»، بالمعنى الإيجابي للمصطلح. البيروتيون لم يكتبوا الرواية، ولم تولد بعد قصص في بيروت، مكان الاختلاط. الروائيون اللبنانيون كتبوا قصصهم المستوحاة من مناطقهم ومجتمعاتهم».
وفي المحصلة، أتت الرواية اللبنانية برأي دورليان «شهادةً عنيفة ضدّ الحرب». رأى معظم الأدباء اللبنانيين أن هذه الحرب بعيدة عن قضاياهم، «لقد كانت بالنسبة إلى هؤلاء واقعاً مريراً دفعهم إلى إعادة النظر بالحقّ والحقيقة».