باريس | بعد ألف سنة لا يزال الشعر العربي يحفظ أسى قيس بن الملوح وهو «يتذكر ليلى والسنين الخواليا». رجع صوت الشاعر الجاهلي، مجنون وشهيد عشق ليلى، وجد صدى آخر في ألبوم سعاد ماسي الأخير «المتكلمون» (2015). ألبوم يرافق إيقاعُ الموسيقى الحديثة فيه إيقاعَ القصيدة القديمة، فيضاعف هذا الشعور بالاغتراب والحزن.

بهذه الأغنية وأخريات، تعد سعاد ماسي جمهورها البيروتي خلال الأمسية التي تقدمها في «ميوزكهول» (الواجهة البحرية). حفلة تأتي في إطار جولة تحملها إلى السويد والدنمارك وإسبانيا ومصر وبلدان أخرى.

وبين الحفلة والأخرى، تقدم الفنانة الجزائرية تشكيلة من الأغاني تشبه الحديقة، حيث تختار زهرة من كل صنف موسيقي. يلتقي الروك بإيقاعات الموسيقى الشعبية، وبالفلامنكو والفولك بينما تجاور قصائد اليومي، قصائد كبار الشعر العربي التي شكلت مادة ألبوم الفنانة الأخير.
تنحدر سعاد ماسي من تقاليد شمال أفريقيا. خلقت الروافد الموسيقية الأمازيغية والعربية والأندلسية هجانة تنظر دوماً نحو المستقبل. لهذا، تبني أغانيها مادتها الموسيقية على الإيقاعات التقليدية أولاً، تم تحولها إلى موسيقى عصرية. هذا ما جعلها من الفنانات الأكثر تميزاً على الساحة الموسيقية الجديدة وفي مشهد موسيقى العالم. بنت «باب الواد»، كانت حياتها مفتوحة دوماً على التيارات والروافد. عنف الحرب الأهلية الجزائرية وسنوات العنف الدموي، جعلت عائلتها تلجأ إلى منطقة «القبايل» التي تتحدر منها، حيث استقرت إلى أن غادرت صوب فرنسا.


ألبومها «المتكلمون» يمنح بعداً جديداً للموسيقى الأندلسية في الجزائر والمغرب

درست الهندسة في نهاية الثمانينات. وفي موازاة ذلك، اختارت هندسة أخرى هي للأصوات والقصائد والإيقاعات. ماسي كاتبة كلمات ومؤلفة موسيقية، تفطنت باكراً إلى كيمياء المزج الموسيقي الذي اختبرته منذ بداياتها الموسيقية. بين الانتماء إلى مجموعة «هارد روك» وغناء أغنية تراثية في مسابقة موسيقية وطنية، عرفت كيف تجد الكلمة واللحن المناسبين منذ أول تجربة لها في 1989.
ركزت ماسي في البدايات على الموسيقى الغربية، وأنتجت شريطاً صوتياً في بداية التسعينات، جعلها تشتهر في الأوساط المهتمة بالموسيقى الأنغلو ساكسونية في بلدها الأم. لكن بعد الهجرة إلى فرنسا عام 1999، ستعيد التعرف إلى ذاتها من جديد وإلى ريبرتوار الموسيقى التقليدية الجزائرية. إعادة اكتشاف دفعت بها إلى إنتاج أول ألبوم حقيقي هو «الراوي» (2001) من طرف «آيلاند ميركوري»، التابعة لـ «يونفرسال ميوزيك». تجربة تجددت مع الألبوم الثاني «دب» (2003) لتتوالى التجارب بعدها مع «مسك الليل» (2005) و»الحرية» (2010) و»المتكلمون» (2015) الذي تنطلق فيه بتجربة جديدة تستمد الموسيقى الأندلسية المنتشرة في كل من الجزائر والمغرب، مع منحها بعداً جديداً.
هكذا تتجاور «بما التعلل» للمتنبي وهو يعاتب سيف الدولة الحمداني مع قصيدته عن «الخيل والليل» التي يدرك فيها عظمته، هو الشاعر وخصم الحكام. ما بين التغيرات الشعرية لذكريات مجنون ليلى، والتساؤلات الوجودية لإيليا أبو ماضي، تتغير الإيقاعات الموسيقية أيضاً، بين الأغنية والأخرى. تراوح بين الإيقاع الحزين في الأولى، والسعيد في «سأعيش رغم الداء والأعداء» لأبي القاسم الشابي.
«المتكلمون» تجربة ترنو فيها ماسي كما «جبار» الشابي إلى «أفق يذيب روح الكون في الإنشاء»، فتنشئ بهذا صداقة روحية مع كبار القصيدة العربية، وتنحت لها هي الأخرى طريقاً كواحدة من أبرز المغنيات العربيات اللواتي طبعنَ الساحة الموسيقية في فرنسا. تكتب ماسي كلماتها أيضاً، بخاصة في ألبوماتها الأولى، التي نجد فيها قصصاً عن الحياة اليومية للنساء والحب، والدعوة إلى السلام والأخوة الإنسانية.
إنها أخوة تجد نَفَسَها في التفاصيل الصغيرة للحياة. لينتظر إذاً جمهور بيروت حفلة يصير فيها العود أخاً للغيتار، وتجد كلمات شاعر عاش في الصحراء أثرها في صوت عذب لـ «ديڤا» جزائرية.

سعاد ماسي في بيروت: 20:00 مساء اليوم ـــ «ميوزكهول»، الواجهة البحرية ــــ للاستعلام: 01/361236