هي اليوم من أبرز الأصوات النسائية العربية على المستوى العالمي. ولكن الأمور لم تكن دائماً سهلة بالنسبة إلى الفنانة الملتزمة نوعاً خاصاً من الغناء والموسيقى. اختارت موسيقى الروك لتعرّف الجزائر إلى نفسها من خلالها، فانضمت الى فرقة «أتاكور» التي تناول ربرتوارها أغنيات ذات مواضيع سياسية. تلك الخطوة الجريئة لم تلق بالطبع الترحيب وحده، إذ طاولت ماسي تهديدات بالقتل، ما دفعها الى مغادرة البلاد والاستقرار في باريس.


أداؤها باللغة العربية في معظم أغنياتها لم يمنعها من أن تحقق الشهرة الواسعة في فرنسا. ألبومها الأول «الراوي» سرعان ما لفت انظار النقاد اليها، كما حقق نجاحاً تجارياً بارزاً. في كل عمل تصدره ماسي رغبة في اظهار ناحية جديدة من شخصيتها الفنية. وإن كانت قد بدأت أولاً بأداء أغنيات سياسية، فهي لم تضع نفسها في هذه الخانة فقط. التجارب الشخصية أثمرت كذلك ألبوماً ثانياً عام 2003، كما طغت مواضيع الحب والخسارة على عملها الثالث. تعاونت ماسي مع الفنان الفرنسي فرانسيس كابريل ومع فرانسواز ميشال من أجل ألبومها الرابع. وتبقى حتى الآن أغنية «راوي» من أبرز الأعمال التي قدّمتها، وينتظرها معجبوها في حفلاتها دائماً بترقب، وكذلك أغنية «غير أنت».


تمتزج النصوص الكلاسيكية بالقضايا المعاصرة واحتجاجات العالم العربي

أما ألبومها الأخير «المتكلمون»، فتجربة مختلفة تماماً بعيدة عما عُرفت به ماسي، ودليل إضافي على فضول الفنانة ورغبتها الدائمة في الذهاب واستكشاف آفاق جديدة. هذه المرة، عادت ماسي إلى نصوص شعرية تراوح تواريخ تأليفها من القرن السادس عشر حتى أيامنا، من المتنبي الى أبو القاسم الشابي وإيليا أبو ماضي. هي طريقتها في الردّ على بروز الدولة الإسلامية، بإظهار ثقافة الحضارات العربية ورفض الصورة الحالية التي كوّنها الارهاب للدين الإسلامي. في إحدى المقابلات مع صحيفة «غارديان» البريطانية، أكّدت: «أنا أؤمن بالناس الذين يحاربون من أجل الحرية، وأحاول أن أعطيهم بعض الأمل بفضل موسيقاي. تلك هي مسؤوليتي ودوري».
لسخرية القدر، هربت ماسي من بلادها بسبب التهديدات الإرهابية. والآن في فرنسا، تشعر بتهديد معاكس بعد أحداث «شارلي إيبدو»، إذ بات مجتمعها بكامله متهماً بالارهاب. بالتوازي مع أشعار قد لا تكون دائماً سهلة المنال، هناك موسيقى تتمتع بألحان أكثر بساطة، في متناول الجميع، متأثرة بالقليل من الجاز والريغي في إيقاعاتها. تمتزج النصوص الكلاسيكية من ناحية الكلام بالقضايا المعاصرة والاحتجاجات التي عرفها العالم العربي في السنوات الأخيرة، لتنتج ألبوماً يتكلم لغة عصرية على رغم نبشه في كنوز الماضي.
في معظم حفلاتها، تطلّ ماسي الملقّبة بـ»ترايسي تشابمان أفريقيا» مع آلة الغيتار الأكوستيك لتغني وتعزف في الوقت عينه. وما زال تأثير الروك ظاهراً على فنها، مع أنّها تمزجه مع الكثير من التأثيرات الشرقية. لا شكّ في أن ترعرعها ضمن عائلة ذات أصول بربرية في الجزائر جعلها على اتصال منذ طفولتها مع الموسيقى البربرية وكذلك الاندلسية العربية والشعبي الجزائري. لا تقتصر تجربة ماسي على الغناء. كانت لها مغامرة في العالم السينمائي أيضاً، في فيلم «عيون الحرامية» للفلسطينية نجوى نجار. كانت تلك نقلة نوعية بالنسبة الى ماسي وتجربة مختلفة تماماً، هي التي تعوّدت على أن تكون ذاتها على المسرح، كان عليها هذه المرة تقمّص شخصية أخرى، فضلاً عن أن التصوير كان في نابلس، في ظل الاحتلال الاسرائيلي وفي ظروف صعبة جداً. هذه المشاركة اعتبرتها ماسي طريقتها الخاصة في دعم القضية الفلسطينية والوقوف الى جانب الشعب المضطهد والمحتل.