حسين بن حمزة

الخشبة فارغة تقريباً. طاولة وكرسي على اليسار. كنبة في المنتصف. ممثل يؤدي دور الشاعر (عبدو شاهين)، وصديقته (نسرين حمدان)، وعازف كمان (نبيه بولص).
تُشعل سيجارة أولى مع بدء عزف حي على الكمان، بينما تظهر صديقة الشاعر حاملةً عوداً. ينفث الشاعر دخان سيجارته الذي يتلاقى مع الدخان المتصاعد من وسط الخشبة. يتراجع العازف إلى الخلف. تتقدم الصديقة وتبدأ الكلام مع الشاعر. نحن في عرض «دفتر سيجارة» الذي يُخرجه جواد الأسدي، مستثمراً كتاباً بالعنوان نفسه للشاعر بول شاوول. يقرأ الأسدي نصوص شاوول من وجهة نظر مشهدية. ينتقي مقاطع قادرة على نقل روح الكتاب إلى الخشبة. لا يبالغ في تحشيد العرض بالحركة. لا نجد التنوع التعبيري الخصب والصاخب الذي اعتدناه في أغلب أعماله. إنه مكتفٍ هنا بالمناخ الذي يصنعه الدخان مع الإضاءة والعزف المباشر. الإضاءة والموسيقى تلعبان دور المقص المونتاجي.
المشاهد تتوالى بحسب رؤية إخراجية تلعب على الخفة والإيجاز. العمل تحية من مسرحيٍّ إلى شاعر. الاثنان يتشاركان عشق المدينة نفسها. المدينة هي البطلة غير المعلنة للعرض. يتضمن «دفتر سيجارة» شذراتٍ واسعة من ذكريات شاوول ويومياته الشخصية. هذا يعني حضوراً تلقائياً لبيروت ومقاهيها وسجالاتها وتحولاتها.
سيرة الشاعر وسيرة المدينة مسرودتان من خلال السيجارة. بحسب الكتاب، «المقاهي تشبه السجائر التي كنت أدخنها، هذا ما خطر لي حين أصابني الحنين إلى المودكا والهورس شو وشارع الحمرا والجميزة». الممثلون مكلفون بترجمة الشعر إلى أداء مرئي. كأن العرض قصيدة من نوع آخر. يُعيد علينا الأسدي التاريخ السجائري الذي كتبه شاوول لحياته وحياة المدينة. يمزج بين الاثنين، معتبراً أن شاوول «هو ضمير يومي لحياة المدينة، وشاهدٌ على تحولاتها، فضلاً عن كونه صديقاً وسنداً حقيقياً لوجودي في بيروت». يقرّ الأسدي «بصعوبة تحويل نصوص شديدة النثرية وخالية من الصراع والقلق التقليدي إلى عرض مسرحي». لذا اشتغل على فكرة ابتكار ظلال وإيحاءات من دخان السجائر المنبعث على الخشبة، وخلطها بأداء طيفي وموسيقى مباشرة. «لقد سعيتُ إلى تطعيم العرض بمذاق تشيخوفي»، يقول الأسدي الذي سبق أن استثمر الجانب البصري لدخان السجائر في «عنبر رقم 6» و«الاغتصاب» و«حمام بغدادي».

8:30 مساء غد الخميس والجمعة ــــ «مسرح بابل» (الحمرا) ــــ للاستعلام: 01/744034