«مصائر الغبار» و«الصرصار» إلى المكتبة العربيّة


زينب مرعي
يبدو راوي حاج مختلفاً عن الآخرين. يأخذ الروائي اللبناني مكانه على الطاولة بين زملائه المحاضرين في مؤتمر «الأدب اللبناني في المهجر والمغتربات» الذي نظمته «اللجنة الوطنيّة اللبنانية للأونيسكو» أخيراً في «فندق بريستول». حين تبدأ المداخلات، يحدّق في الثريا. تُرى، فيمَ يفكّر؟ لم يكن يوماً تلميذاً نجيباً كما يُسرُّ إلينا، ولم يحبّ المدرسة قط. ويبدو أنّه ما زال يرفض إلى اليوم الامتثال للقواعد، والتشبّه بالآخرين. شغبٌ ينسحب على كتابته، كما تؤكّد روايتاه «مصائر الغبار» و«الصرصار» الصادرتان أخيراً بالعربيّة عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» (تعريب فداء يونس وأنطوان باسيللا عقد حقيقية في علاقتي بالقارئ» يقول حاج. «أكتب عن الواقع لأحطّمه. أستوحي منه لأتحايل عليه، فأنا لست مجبراً على قول الحقيقة، ولا أريد للقارئ أن يجد في رواياتي أهدافاً تعليميّة». وسط هذه الرغبة في تحطيم ما هو قائم، لا يترك لك الكاتب الشاب مجالاً للاسترخاء. تجد كلتا روايتيه مشحونة بالأحداث، والحالات القاسية، والشخصيات المفكّكة والمضطربة. يذهب في سرده دوماً إلى العوالم السفليّة، فهي تحيل على الهامش والواقع الموازي. باكورته «مصائر الغبار» (2006) أو De Niro's game، الحائزة جائزة «إمباك دبلن الدولية للأدب» (2008)، ليست فقط عن بيروت المقسّمة بين شرقيّة وغربيّة، بل عن الميليشيات وآليّة عملها، وما تجبرنا الحرب الأهليّة على اقترافه. هنا، يحكي حاج قصّة بسام الذي يعيش يوميات الحرب، في الجانب الشرقي من المدينة، مع صديق طفولته جورج. في وقت يبحث فيه الأول عن مخرج من المدينة التي تحوّلت إلى دوامة موت، يأخذ الثاني درباً مغايراً وينخرط في العمل الميليشيوي. السرقة، والفقر، والقتل، والموت، والمعاناة، تيمات تنبعث من عالم حاج في «مصائر الغبار»، ومن روايته الثانية «الصرصار» (2008ـــــ Cockroach).
الراوي مجهول الاسم في «الصرصار»، تبدو حكايته استكمالاً لمسيرة بسام بطل الرواية السابقة. ينجح هذا الأخير في الخروج من المدينة الممزّقة إلى المهجر، حيث تبدأ حياته الجديدة. لسنا بعيدين عن سيرة المؤلّف نفسه. راوي حاج (1964) ترك بيروت عام 1982 إلى نيويورك، ثم انتقل إلى مونتريال عام 1992. يقول الروائي إنّ الهجرة كانت بالنسبة إليه أصعب من الحرب نفسها، رافضاً أن يربط شخصياته بحياته. فأعماله، يؤكّد، أبعد ما تكون عن السيرة الذاتيّة: «أذهب إلى عوالم شخصياتي، وأنهل منها أكثر مما أمدّها بعناصر من حياتي الخاصة».
الكتابة بالنسبة إلى راوي حاج هي «فعل تسامٍ». ورغم إصراره على الفصل بين حياته وحياة شخصياته، فإن أحداثه تدور في المناخات التي عرفها وخبرها: من بيروت، زمن الحرب التي تركها إلى مونتريال أرض المهجر. كان على حاج أن يمرّ بالأولى بدايةً كي يصل إلى الأخرى. «حين انتهيت من «مصائر الغبار»، شعرت بأنّ عقدة حُلّت في داخلي. وعندما ظهرت القصة على الملأ، شعرت بارتياح أكبر. واليوم، لا أعتقد أنني سأعود إلى موضوع الحرب الأهليّة مجدداً. بعد «مصائر الغبار»، صار باستطاعتي أن أنتقل إلى كندا وأكتب عن قصص تحدث هناك».


كتابة مسكونة بالشخصيات المضطربة والعوالم السفليّة والحالات القاسية
ماذا عن الصرصار؟ خيال الراوي يجعله يتصوّر أنّه يتحوّل في بعض المواقف إلى الحشرة التي تذكّرنا بغريغوار سامسا في «المسخ» لكافكا. لكن الكاتب اللبناني يبحر إلى تأويلات مختلفة. الصرصار هنا لا يجسّد عمليّة تحوّل، بل هو رمز للإنسان الملتصق بالأرض الذي لا يرى أبعد منها. إنسان لا يُشغل بالماورائيات والدين والآخرة... في روايته الثانية هذه، لا يذكر حاج الحرب أو لبنان مباشرة. إلّا أنّ البطل يستعيد بعض صور تلك الحرب من خلال حديثه مع معالجته النفسيّة. يترك راوي حاج شخصيّته من دون اسم أو ذاكرة، جاعلاً من الرواية قصّة أيّ مهاجر ترك بلده بسبب الحرب. هكذا عُدّت «الصرصار» رواية المهاجرين.
«شخصياتي عبثيّة في العمق. لكن تأثري بعبثيّة كامو كان أكثر وضوحاً في روايتي الأولى. إذ إنّ بسام الذي فقد أهله، لا يؤمن بالله أو الأحزاب أو السياسة»... شخصيات تجد نفسها في مواجهة الفراغ الكبير، وتعيد الاعتبار إلى ذاتيتها. العبثيّة في المواقف والسلوك، تنعكس في السرد سخرية ممزوجة بالفكاهة. فإذا بها تعبير عن رفض الشخصيات لكل ما هو قائم. إنّها نقد للواقع الذي يصبح البحث فيه عن عدالة عبثاً بحدّ ذاته.
احتراف راوي حاج لفنّ التصوير يتسلّل إلى كتابته أيضاً. يرى أنّ كتابته بصيغة «الأنا» ما هي إلّا نتيجة تأثّره بالفنون البصرية. «عليّ أن أضع نفسي في المشهد أو أمامه كي أكتب. عشت في البرد كي أفهم راوي «الصرصار»، حتى إنني تشبّهت بالصرصار كي أكتشف كيف يرى الأمور وأخلق مشهدي». لكنّ نظرة المصوّر إلى الأشياء، ليست العنصر الوحيد المؤثّر في تكوين تقنيات السرد. الشعر العربي هو الآخر ليس بعيداً. والغنائية تحديداً، اقتحمت لغته الإنكليزيّة لتُسهم في تكوين أسلوب راوي حاج المطعّم بمراجع ومذاقات بعيدة، كانت سبباً رئيسياً في نيله جائزة «إمباك دبلن الدولية للأدب».