هل تحرق القاهرة «ألف ليلة وليلة»؟


محمد خير
يمكن العثور على المفارقات الساخرة في أي مكان. المحامون المصريون الذين طالبوا بمصادرة كتاب «ألف ليلة وليلة» مثلاً، يطلقون على أنفسهم اسم «محامون بلا قيود». تسمية لم تمنع الذين يختبئون خلفها، من مطالبة «الهيئة العامة لقصور الثقافة» التابعة لـ«وزارة الثقافة»، بالامتناع عن إعادة إصدار الطبعة البولاقية من «ألف ليلة وليلة». هذه الطبعة الأعرق والأكثر اكتمالاً من «الليالي» باللغة العربية، وصفها «المحامون» في بلاغ قدّموه إلى النائب العام أخيراً بأنها «مُؤلَّف من جزءين ويسمى «ألف ليلة وليلة» ـــــ الطبعة الأولى ـــــ مقابلة وتصحيح محمد قطة العدوي». اشتكى مقدّمو البلاغ من أنّهم «فوجئوا بما وجدوه في الكتاب من العبارات الجنسية الصريحة، المتدنية والقميئة، والداعية إلى الفجور والفسق وإشاعة الفاحشة وازدراء الأديان».
للمفارقة، فإنّ مصحح «الطبعة الملعونة»، الشيخ محمد عبد الرحمن قطة العدوي (توفي عام 1864)، كان ممّن يحملون لقب «العلّامة». هذا العالم اللغوي والشيخ الأزهري، أفنى أربعين عاماً في تحقيق قائمة هائلة من أمّهات كتب التراث العربي الإسلامي («الفتوحات المكّية» لابن عربي، و«رسائل الخوارزمي»...). لا شكّ في أنّ العلامة الشيخ ما كان ليخطر في باله أنّ تحقيق كتاب تراثي، أو ذكر أسماء أعضاء الجسد الجنسية منها وغير الجنسية، يقود إلى قائمة الاتهامات الواردة في بلاغ «محامين بلا قيود». لم يتهم أحد الشيخ قطة العدوي بإشاعة الفاحشة قبل 170 عاماً، وإذا بهؤلاء المحامين يتهمونه بها الآن، هو والمؤلّف المرجعي الذي حقّقه.
اليوم يتعرّض رجل العلم والدين للتشهير، إذ تدعو جماعة الـ«... بلا قيود» على موقعها الإلكتروني إلى النظر في «معتنق المؤلِّف الفكري وانتمائه إلى الطرق الصوفية، ودور تلك الطرق وغيرها في مساعدة من كان يحكم مصر ساعتها». يقصدون بالمؤلّف المصحِّح طبعاً، أما «من كان يحكم مصر ساعتها» فهو محمد علي باشا. لكنّ العدوي بقي يصحّح أمهات الكتب إلى ما بعد وفاة محمد علي بسنوات! يبدو الرجوع إلى ذلك كله أمراً عجيباً، لكنّ الأغرب هو استناد بلاغ «محامين بلا قيود» إلى عدم جواز طبع «الخبث الذي يسمونه تراثاً، بأموال هذا الشعب الذي يعاني من الفقر والمرض».
المؤسف أن الطبعة «المتّهمة» هي الطبعة العربيّة الأعرق، والأهم في العالم. الطبعات الأوروبية التي استندت إلى ترجمة أنطوان غالان الشهيرة والصادرة بطبعتها الأولى عام 1704، اعتمدت على نصّ تصرف فيه المستشرق الفرنسي لغوياً وأخلاقياً أحياناً. مع ذلك، قاد دخول «ألف ليلة وليلة» أوروبا إلى موجة جمالية وفنية وأدبيّة كبيرة.


طبعة بولاق هي الأدقّ والأكمل في اللغة العربيّة
أمّا الطبعة المصرية باللغة العربية التي أصدرتها «مطابع بولاق الأميرية» عام 1835، فجاءت أشمل من طبعة كلكوتا الهندية (العربية أيضاً) التي بقيت الأشهَر منذ صدورها عام 1814 في حجم يقل عن نصف الطبعة المصريّة. لذا تم تعديل طبعة كلكوتا وإعادة إصدارها بين 1839 و1848 اعتماداً على الطبعة المصرية، وصدرت مثلها في أربعة مجلدات. لا تعود أهمية الطبعتين المصرية والهندية إلى عراقتهما وريادتهما فحسب، بل لأنّهما الأكثر اكتمالاً ودقة. معظم الطبعات التالية تمّ تنقيحها و«تنقيتها» لتراعي الأخلاقيات السائدة ضماناً لعدم «نشر الفاحشة».
أصحاب البلاغ توجّهوا باتهامهم إلى كلّ من أحمد مجاهد رئيس «هيئة قصور الثقافة المصرية»، وجمال الغيطاني رئيس تحرير سلسلة «الذخائر»، ومدير تحرير السلسلة جمال العسكري، والأمين العام للنشر سعد عبد الرحمن، وسكرتير التحرير سوزان عبد العال، علماً بأنّ تهمة «نشر مطبوعات أو صور تخدش الحياء العام» قد تصل عقوبتها إلى السجن لسنتين. ويأتي توجيه الاتهام ضمن ما يعرف بقضايا الحسبة، وهي القضايا التي سبّبت إحداها الفصل بين المفكر المصري نصر حامد أبوزيد وزوجته ابتهال يونس. وكان المعنيّون بحرية الرأي قد طالبوا الحكومة المصرية بتعديل تشريعي يلغي قضايا الحسبة، لكنّ هذه الأخيرة اكتفت بوضع قرار تحريك الدعوى في يد النائب العام بدلاً من الأفراد.