«العلمانية تحت المجهر: الدين يحاور» عنوان مغرٍ بالتأكيد للدخول في تكهّنات عدة حول نتائج الندوة النقاشية الفكرية التي جمعت مدير «معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية» الشيخ شفيق جرادي، والزميل بيار أبي صعب. ندوة أقامها «نادي المناظرة» أول من أمس في مسرح مبنى «إيروين أوديتوريوم» (قريطم ــ بيروت) في «الجامعة اللبنانية الأميركية» وسط حشد شبابي وصل إلى الأربعمئة، وقد ضاق به المكان المؤلف من طبقتين.


حماسة للاستماع والمشاركة خيّمت على هذه المناظرة التي تظهّرت أنها ليست بمناظرة بل أفكار فلسفية سوسيوــ سياسية تكاملت في ما بينها بين الرجلين حول النظرة الى العلمانية والدين. أسئلة إشكالية طرحها منظمو هذه الندوة حول لبنان ونظامه السياسي الذي ــ بحسب القوانين والدستور ــ يقترب من العلمنة، لكن في المشهد التفصيلي هو عبارة عن محاصصة سياسية وطائفية ولّدت أزمات كثيرة. فما السبيل الى إصلاح هذا النظام؟ وهل تطبيق نظام العلمنة فيه ممكن على ضوء ما خرج به الحراك الشعبي أخيراً من شعارات كـ«إسقاط للنظام والمطالبة بنظام علماني» وإمكانية تحقيق هذا الشعار مع سؤال مفتوح عما إذا كان هذا النظام البديل هو الحل؟ الندوة التي استمرت لأكثر من ساعتين، تلاقحت فيها أفكار المشاركين مع نبض الشباب الحاضر والمتنوع فكرياً وسياسياً.


انتقد الشيخ شفيق جرادي الإسلام السياسي الذي وصل الى منحدر

لعلّ قاعدة الانطلاق لأي بحث في هذا الموضوع يحيلنا الى تعريف العلمانية والعودة بها الى تاريخ ولادتها وإمكانية تطبيقها في الوقت الحالي. كانت جولة عصف أفكار ــ إن صح التعبير ــ انتقلت بنا من المشهد اللبناني الى العربي فالأوروبي. أبي صعب رأى أنّ الديموقراطية المدّعاة في لبنان غير موجودة بما أن البلد مقسّم بين الطوائف والأحزاب ولا يراعي قيم العدالة والمساواة، والحل يبقى في إلغاء الطائفية. هذه الطائفية التي شلّت لبنان واستُعملت كمطية للاستخدام السياسي. وفي هذه النقطة استشهد أبي صعب بموقف وزير الداخلية نهاد المشنوق الأخير الذي اتهم الحراك الشعبي بـ«محاولة اغتيال مشروع رفيق الحريري السياسي» والهدف هو اللعب على «عصب طائفة معينة لتقسيم الحراك». المشروع التحرري أيضاً للمقاومة الإسلامية أي «حزب الله» حضر بقوة في هذا النقاش. لفت أبي صعب إلى أنّ هزيمتها لإسرائيل «عسكرياً جعل أعداءها يحاربونها طائفياً عبر إدخالها في المستنقع الآسن المذهبي» بغية تقليب الناس عليها، علماً بأنها «حمت لبنان كل لبنان بغض النظر عن طوائفه وأطيافه». وفي نقد «الشيوعيين العرب» الذين تصادموا مع الدين في فترة الخمسينيات والستينيات، رأى أبي صعب أن الحل يبدأ مع هذا الدين عبر خلق تقدم عضوي داخله يضم تحت جناحيه مجتمعاً يعيش فيه الجميع، المؤمنون وغير المؤمنين.
إذاً، الحل كما طرحه أبي صعب هو إقامة دولة المواطن المتساوي مع أخيه المواطن على قاعدة الواجبات والحقوق المتساوية والعادلة. طرح أكده الشيخ شفيق جرادي بعدما وجّه أيضاً نقداً الى العلمانية التي رفضت الدين. جرادي اختصر مفهوم العلمنة بالممارسات العملية الأخلاقية والسلوكية، بغض النظر عن القناعات الإيمانية للأشخاص. وهي تبدأ كما قال «بالعدالة الاجتماعية والقيم الإنسانية التي تحكم علاقة الإنسان بالإنسان». وفي هذه النظرة الى الدولة العلمانية، دخل الشيخ جرادي الى صلب الإسلام وضرورة أن يبني علاقة تماس مباشرة مع الناس وهمومهم، مضيفاً «لا يمكن أن أفهم الإسلام خارج دولة المواطنة» دولة ترعى الجميع على حدّ سواء. وفي نسج العلاقة بين الدولة والمواطن، انتقد جرادي بقوة «الإسلام السياسي» الذي وصل الى «منحدر ويحتاج الى التجديد وتقديم رؤية جديدة» بما أن هذا النهج يحصر التعامل مع القوانين بين «حلال وحرام» وهذا ما لا يمكن أن يسري في المجتمع الإسلامي بعيداً عن فهم القوانين والبعد القيمي للإنسان. والحل يبقى في تظهير قيم المواطنة «لأن محور مشروع الدين هو خدمة الناس وليس العكس». هذا الطرح تقاطع مع رأي أبي صعب في اعتبار أن «الدين مكوّن أساسي لبنية المجتمع» وعلى الطريقة الفرنسية الجمهورية التي تقيم اعتباراً لهذا الأمر بعيداً عن «الأصولية العلمانية» كما سماها التي ولّدت آفة «الإسلاموفوبيا». في المحصلة، خلقت هذه الندوة الكثير من الجدل والنقاشات الحامية التي تخطت إطار العنوان الأساسي لها، فتطايرت قضايا المقاومة وعلاقتها باليسار وبمثقفيه، وبالدخول تفصيلاًَ في بعض العناوين الدينية. لكن في المجمل، نحجت في الإجابة عن كثير من الأسئلة. والأهم أنها جمعت تحت سقف واحد آراء متعددة تحاورت بحضارة ووعي فكري واضح.