ثلاث محاولات للإحاطة بـ«فوتو ــــ رومانس»



بيار أبي صعب
حانة الـ Pacifico مزدحمة قبيل منتصف الليل. شخص بسترة جلديّة، سميكة قليلاً على تلك الليلة الربيعيّة، يجلس إلى البار الطويل أمام كأس «مارغريتا». يمسك رأسه بيديه الاثنتين، كمن يحاول التركيز على مسألة مهمّة. قبل قليل خرج على عجل من «مسرح مونو» القريب، حيث شاهد مسرحيّة لينا صانع وربيع مروّة «فوتو ــــ رومانس» ضمن برنامج «أشغال داخليّة»، الفوروم الذي تنظّمه «جمعيّة أشكال ألوان» هذه الأيّام في بيروت. والآن ماذا سيكتب؟
هذه ليست مقالة صحافيّة عاديّة. بل مسوّدة أولى لمقالة نكتبها عن ناقد يحاول أن يكتب مقالة، تتناول مسرحيّة ليست مسرحيّة، بل قصّة «فنّانين معاصرين» يزمعان تقديم مسرحيّة بلا ممثلين، تدور أحداثها في الضاحيّة الجنوبيّة لبيروت، ذات يوم من عام ٢٠٠٧. المسرحيّة مستوحاة من فيلم شهير يدور في إيطاليا الفاشيّة تحت حكم موسوليني، في ٨ أيّار/ مايو ١٩٣٨.
إذا نظرنا بتمعّن إلى مرتشف المارغريتا، يخالجنا شعور بأنّه يعيش حالة صراع. أو لعلّها الحيرة، لا يقوى على تبديدها صوت رشيد طه الذي يعمّ المكان فجأة. ناقدنا من المتحمّسين لـ«الفنّ المعاصر»، يرتاد بإعجاب تجارب الـ(لا) ممثلين المشار إليهما أعلاه، ويحبّ موسيقى الفنّان الذي يرافقهما هذه المرّة (شربل هبر). أما الفيلم الذي يحيلان إليه، أي «يوم خاص» للإيطالي إيتوري سكولا مع صوفيا لورين ومارتشيلو ماستروياني (١٩٧٧)، فمن الأعمال التي أثّرت في وعيه الأوّل، وغذّت حبّه للسينما. هذه المرّة، يجد صعوبة في تحديد زاوية لمعالجة العرض الذي شاهده. يستعرض للمرّة المئة تركيبة العمل، وتقنياته السرديّة، وخلفيّاته الفكريّة. شيء ما يعوقه عن المضي قدماً في مقاربة هذه القصّة المصوّرة، و«تفكيك» خطابيها الجمالي والسياسي وهما، كما يعرف جيّداً، شيء واحد.
محاولة أولى: في «فوتو ــــ رومانس»، ربيع مروّة ولينا صانع، كالعادة، يصنعان مسرحاً بلا مسرح، وبلا ممثلين. كالعادة يلغيان عمق الخشبة، لتصبح شاشة الفيديو مسرح الحدث. كالعادة يكون السرد من خلال «عرض» صور ورسوم وخرائط، والتعليق عليها من خلف منصّة المحاضرات. هكذا تتقلّص وظائف الخشبة تماماً، وتتبعثر عناصر العرض (القصّة، المكان، الحوار، الشخصيات، ما نسمعه وما نراه...)، وتتوزّع على مستويات عدّة. ويحتل «الاختراع» التقني مكاناً محوريّاً من العمل، ليصبح هو العمل. يقوم المشروع، هذه المرّة، على «فوتو مونتاج»، بل فيديو مونتاج (سرمد لويس) يعرض صوراً جامدة، متقطّعة، حركات عزلت عن سياقها، تتلاحق أمامنا لتروي مشاهد الحكاية المفترضة... فيما يخلق شربل هبر الجالس إلى منصّة في المقلب الآخر من المسرح (سينوغرافيا ميرنا معكرون)، مختلف المؤثرات الموسيقيّة والصوتيّة التي تعطي للمواقف زخمها الشعوري، أو بعدها التغريبي الساخر.
ستخبرنا لينا عن مشاهد المسرحيّة التي تمثّل فيها دور أم يوسف المسحوقة والمستلبة، فيما ربيع «الذي لم يتمكن من المجيء اليوم»، يمثّل في «الرواية المصوّرة» دور الصحافي النقدي. ستقف الممثلة إلى منصتين أمام الشاشة ثم وراءها. تعرض الصور على الشاشة، وترافقها بقراءة كل الحوارات. أو تجالس صاحبة المشروع ضيفها في الصالون، تشرح له الحكاية وطرق معالجتها، بين الفيلم والخشبة، وتتناقش مع هذا المسيو «المستشار» الذي جاء لـ«تقويم العمل المسرحي»، من وجهة نظر فنيّة ورقابيّة.
محاولة ثانية: أنطونييتا الأم المسحوقة تحت عبء المؤسسة الزوجيّة، والذكوريّة الفاشيّة، في فيلم سكولا، صارت أم يوسف المطلّقة التي تعيش مع إخوتها ونسائهم وأولادهم. والصحافي المثلي الجنس، المناهض للفاشيّة هناك، بات هنا صحافيّاً شيوعيّاً مطروداً من جريدته، لأنّه كتب متسائلاً عن إمكان استعمال عبارة «الكارثة» لدى الحديث عن عدوان تمّوز (استعمالها يقلّل من أهميّة انتصار المقاومة، والعدول عنها يخفّف من خطورة العدوان وأهميّته. يا للحيرة!). روما التي خلت من سكانها الزاحفين للاحتفال بزيارة هتلر التاريخيّة للدوتشي، تاركة لرجل وامرأة هامشيين يختلفان في كلّ شيء، أن يلتقيا، قبل أن يعود كل منهما إلى مصيره... صارت الضاحية الجنوبيّة لبيروت التي يؤكّد لنا مؤلفا العمل أن أهلها التحقوا جحافلَ في تظاهرة حاشدة، توازيها في اليوم نفسه، تظاهرة أخرى من الضفّة الثانية (للبنان) على ما يبدو. لكن التظاهرة الأخرى لا دور لها سوى رفع العتب وخلق التوازن السطحي الذي يبرّر أبلسة طرف محدّد واتهامه...
وحدهما في الضاحية التي فرغت من سكانها إذاً: أم يوسف المستلبة، وجارها الصحافي، الغريب عن واقعه، المضطهد من أهل العمارة وأهل الحي، لأنّه شيوعي مارق (!) عزلتان ستلتقيان وتتصارعان، ثم تتعانقان وتفترقان. المناضل اليائس سليل الخوارج، رافع لواء الفرد ضدّ قمع الجماعة، سيهديها رواية توفيق يوسف عوّاد «طواحين بيروت» (١٩٧٣، أيقونة أوهام النضال والتمرّد والثورة في مدينة على حافة بركان. تميمة/ هاني ثنائي آخر شاهد على استحالة التغيير)، أو يعطيها فيلم «يوم خاص» لا فرق، لم نعد نعرف. لا يهمّ. وسيفتح عينيها على الواقع، ويزرع عندها الشك، ويزعزع مسلماتها ويجعلها تعيد النظر في انقيادها الأعمى وراء القطيع... نعم، نعم. كلّ هذا!
عودة إلى المحاولة الأولى: في أعمال هذا الثنائي تضيع الحدود دائماً بين الحقيقي والمتخيّل. لذا تبدو القصّة خليطاً من تفاصيل واقعيّة، أو شخصيّة، معبّر عنها بضمير المتكلّم (الجانب التوثيقي)، وتفاصيل أخرى مختلقة، مقدّمة كأنّها حقيقية (الجانب الروائي). أمامنا ربيع الذي يلعب دور المستشار الذي يُطلب منه أن يلعب دور ربيع («الغائب») الذي سيلعب دور الصحافي المناهض للفاشيّة على الشاشة. ولينا تلعب دور لينا صاحبة المشروع، التي تلعب دور لينا الممثّلة، التي ستلعب دور أم يوسف على الشاشة. لعبة المستويات هذه، أقرب إلى بيرندللو (مسرح داخل المسرح، داخل شاشة الفيديو) منها إلى بريخت (التغريب: رفض التماهي وخلق صدمة الوعي). من خلالها يواصل ربيع ولينا مشروعهما في مساءلة فنّ التمثيل وجدواه، واختبار حدود المسرح واحتمالاته.
لكن اللعبة صارت متوقّعة، خفّت قدرتها على الإدهاش. الخيوط السحريّة الخفيّة التي تحرّك العناصر ــــ كما في «بيوخرافيا» أو «الموظّف المفقود» مثلاً ــــ باتت في بعض الأحيان حبالاً غليظة تراها العين المجرّدة. هذا لا يلغي، الشاعريّة والديناميّة والسخرية والإتقان والمهارة البصريّة... لكنّك تسأل نفسك أحياناً (الكلام للناقد الذي يحاول أن يكتب المقالة)، إذا لم تكن «التركيبة» مدعية بعض الشيء، أو مكتفية بنفسها.
عودة إلى المحاولة الثانية: بعد سنوات طويلة على زوال كابوس


في «بلاد الله الضيّقة»، شخصان معزولان يتمردان على فاشيّة «حزب الله»

الفاشيّة، حقق سكولا الفيلم الذي يستوحيه ربيع مروّة ولينا صانع لتطبيقه على الواقع اللبناني المعقّد، في قلب الدوّامة. يغامران في اختراع حقائق تقريبيّة، ومقارنات اختزاليّة، كاريكاتوريّة، تفتقر إلى العمق والدقّة، وتقترب من الكليشيه. ليست المشكلة في نقد الواقع طبعاً، بل توظيف هذا النقد بطريقة كسولة لا تذهب في الأشياء إلى نهايتها. نقد يقف عند حدود الصورة السائدة ـــــ اللائقة سياسيّاً ـــــ التي يتوقّعها الجمهور من أفينيون إلى طوكيو مروراً بتورينو وبرلين، وكلّها جهات منتجة للعرض، ومدن ستحتضن العمل بما يفوق العروض البيروتيّة الثلاثة. باختصار: في «بلاد الله الضيّقة»، شخصان معزولان يتمردان على فاشيّة «حزب الله».
محاولة ثالثة للبحث عن عنوان: ربيع مروّة، يعود دائماً إلى الجرح نفسه، كأنه لن يشفى منه. يلوم الآخرين على انتقال المقاومة من حزبه العلماني إلى المقاومة الاسلاميّة. لا يحاول أن يفهم لماذا. يفضّل محاسبة الآخرين على محاسبة الذات. لا تهمّه إنجازات هذه المقاومة الإسلاميّة، طوال العقد الأخير، ولا وقوف جزء أساسي من رفاقه إلى جانبها. يفضّل أن يبقى ضحيّتها مثل الشخصيّة التي يؤديها في «فوتو ـــــ رومانس»... يفضّل هذه الوضعيّة السهلة وامتيازاتها، على الأسئلة الحارقة المؤجّلة: وضعيّة العلماني الذي ينظر إلى نفسه بصفته ضحيّة ذلك الحزب الديني الذي يختزن شرور العالم. حتى ليصبح هذا إنجازه الوحيد. سيستنجد صديقنا الناقد إذاً بعنوان كتاب شهير لجان بول سارتر عن صديقه اللدود جان جينيه: «القديس جينيه ممثلاً وشهيداً».