الأوبريت الذي جمع ميادة الحناوي وصباح فخري وسعدون جابر ولطفي بوشناق سيقدّم يوم الخميس في «دار الأوبرا» السورية. وسط الفجوات الكثيرة التي اعترت العمل، جاءت موسيقى نصير شمّة لتحكي معاناة حاضنة الأديان والثقافات


دمشق ــ وسام كنعان
«أزور القدس في حلمي، وأمشي في أزقتها، أرى جدرانها تسهو، وتحكي مجد قصتها، أرى غزلانها تمشي، على حناء تربتها، ونور في محياها، ونار في أصابعها، أرى قدسي تعانقني، كأم تحضن ابنتها». تلك هي كلمات مطلع «يا قدس»، الأوبريت الغنائي الذي كتب كلماته الشاعر الفلسطيني رامي اليوسف ولحنه العراقي نصير شمة ويغنيه المطربان السوريان ميادة الحناوي وصباح فخري والعراقي سعدون جابر والتونسي لطفي بوشناق.
«العمل أردناه على مستوى القضية الفلسطينية»، هكذا قال الشاعر رامي اليوسف خلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد أمس في «فندق الشام» في دمشق، تمهيداً لإطلاق الأوبريت في حفلة تحتضنها «دار الأوبرا» السورية بعد غد الخميس، ويتولى إخراجها النجم السوري نضال سيجري.
خلال المؤتمر، عُرضت نسخة خام من العمل الذي سجّل على طريقة الفيديو كليب بحضور ميادة الحناوي وسعدون جابر ونصير شمة ونضال سيجري ورامي اليوسف والمخرج محمد شريف. ومن بين الجمهور، حضرت مجموعة من نجوم الدراما السورية، من بينهم دريد لحام وفراس إبراهيم ومصطفى الخاني.
ورغم نبل الغاية في صناعة عمل غنائي ضخم يوازي أهمية القضية الفلسطينية، لم يتوانَ الصحافيون أمس عن توجيه انتقاداتهم إلى العمل، خوفاً من أن ينضم الأوبريت إلى قافلة الأعمال التي قدمت عن القضية الفلسطينية وتحول صنّاعها إلى أسوأ محامين يدافعون عن أكثر القضايا عدالة في الدنيا! وحين سألت «الأخبار» عن الإضافة التي يمكن أن يجلبها هذا العمل الغنائي بما يتعدّى الكلام الذي اعتادته الأمة العربية تجاه القضية، وسألت أسرة العمل عن إمكان تبنّيها خطوات عملية كنسخ الأوبريت على كاسيت وطرحه في الأسواق أو عقد مجموعة من الحفلات التي يعود ريعها إلى الداخل الفلسطيني، انتفض المطرب سعدون جابر، رافضاً السؤال برمته، ومشيراً إلى أنه محاولة للإحباط والتقليل من حماسة فريق العمل!
ورغم أنّ الشاعر رامي اليوسف صرّح بأنّه ابتعد عن لغة الخطابات والعنتريات في كتابة الأوبريت ليقدم عملاً فنياً يليق بالقضية الفلسطينية، جاءت بعض ردود الفعل بعد عرض النسخة الخام عكس ما يشتهي. إذ رأى الكاتب زكريا الإبراهيم أنّ العمل يستجدي الحالة العاطفية استجداءً مبالغاً فيه، ويستعير من أعمال معروفة على نحو واضح. ولدى سماع اليوسف هذا الكلام، طالب عناصر أمن الفندق بإخراج الإبراهيم من الصالة، وهو ما حاولوا فعله.
الأوبريت يطرح صورة مختلة عن مدينة القدس، معتمداً على الترميز الساذج. إذ صوّرَ القدس فتاةً شابة ترتدي ثوباً أبيض، تستغيث بفارس ينقذها على حصانه وهي تائهة في الصحراء! وقد يكون تقويم العمل في وضعه الحالي صعباً على اعتبار أنه لم يكتمل فنياً بما يكفي للحكم عليه، إلا أنه بدا واضحاً غياب اهتمام مخرج الكليب محمد شريف بالصورة التي ينبغي أن تنقل بها الحالة الواقعية لحاضنة الأديان والثقافات. هكذا، بدت الاستعانة بحارات دمشق القديمة واضحةً وتكلمت باحة المسجد الأموي عن نفسها من دون جهد من أحد! بينما لم تتعدّ مشاهد المطربين عن وصلات جاهزة قدِّمت في أعمال فنية سابقة، ولم تضف شيئاً إلى ما قدمه هؤلاء في أعمالهم الوطنية السابقة. هكذا، عُرضت بعض اللقطات التي يظهر فيها الفنان دريد لحام في زيارته الأخيرة إلى غزة. وفي ما يتعلق بمسألة اللغة البصرية، علّق الممثل السوري: «يمكنني أن أقبل هذا العمل من باب تعريفنا مثلاً بالفنانين الأربعة الذين يغنون فيه، لكنني لن أقبله بالشكل الحالي ليحكي على القدس ويعبّر عنها وعن واقعها».


أعربت أسرة الأوبريت عن خيبة أملها تجاه لامبالاة بعض الفضائيات العربية

وبمنأى عن تواضع الصورة وبعدها الدلالي الذي يقدمه الكليب، بدت لمسات الفنان نصير شمة واضحةً لموسيقي يحكي من عمق المعاناة. إذ عرفت موسيقاه كيف تترك أثرها، وتصنع الحالة الوجدانية التي تمرّر رسالة واضحةً عن مدينة السلام وما حل بها على أيدي الإسرائيليين. وقد عوّضت موسيقاه عن الكثير من الفجوات التي تعتري الأوبريت.
بميزانية لم تتجاوز 35 ألف دولار أميركي، سيبصر الأوبريت النور وستُترك مهمّة الترويج لهذا العمل والإفادة منه مادياً لمصلحة الشعب الفلسطيني، في أيدي جهات رسمية عربية. لكن ما حصل منذ بداية المشروع لا يبشر بالخير. إذ أعربت أسرة الأوبريت عن خيبة أمل حقيقية واجهتهم منذ اللحظات الأولى لولادة المشروع: حكومات أدارت ظهرها إلى الفكرة، وفضائيات عربية لم تبد أي استعداد للتعاون، وكذلك كانت حال بعض رجال الأعمال الفلسطينيين الذين لم يجدوا في العمل أي تجارة رابحة. فيما يرى أصحاب العمل أن المؤسسات السورية هي الوحيدة التي دعمت المشروع ووقفت إلى جانبه كي يكون جاهزاً للعرض ليلة الخميس.


المال مقابل القضية


لم يتردّد الموسيقي نصير شمة (الصورة) في المؤتمر الصحافي في إعلان ما واجهه خلال الإعداد لهذا الأوبريت، وخصوصاً لجهة رفض عددٍ من الفنانين العرب المشاركة فيه. وقال: «اتصلت بعدد كبير من الفنانين الذين لا يتوقفون عن التعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، في الإعلام ضمن حالة استعراضية سرعان ما انكشف زيفها. بعض هؤلاء رفض التعاون معنا من دون مقابل مادي». وأضاف: «أبدت ميادة الحناوي استعدادها للتبرع بأموالها، إضافة إلى وجودها المجاني في العمل. كذلك، سجل الفنان لطفي بوشناق صوته في الاستوديو على حسابه وتنقل بتذاكر سفر دفع ثمنها من جيبه».