Strong>مدينة المضاربات العقاريّة لم تعد تتسع للثقافة

شارع الحمراء مرتع المثقفين وجمهوريّتهم الفاضلة، بات يضيق بـ 18 متراً مربّعاً من الكتب! من كان يتصوّر ذلك قبل سنوات قليلة؟ المدينة التي تلفظ أبناء الطبقات الشعبية والوسطى تدريجاً، لتتحوّل منتجعَ أغنياء وغيتو لمحدثي نعمة، لفظت «مكتبة عياد» أخيراً. لكنّ صاحبها يعدنا بمشروع مقاومة جديد...

بيسان طي
«مكتبة عياد» ستغيّر مكانها. ما هي إلا أيام قليلة حتى تغادر ذلك السرداب الرابض في قلب شارع الحمراء البيروتي. بعد إقفال المقاهي، «ويمبي» و«مودكا» و«كافيه دو باري»، و«مكتبة رأس بيروت» والـ«سي دي تك»، تعيش بيروت فصلاً جديداً من فصول تغيير هويتها. وها هو عصام عياد، صاحب المكتبة الصغيرة التي يعرفها كل من «يقرأ» في المدينة، يشدّ الرحال مجدداً، حاملاً كتبه وباحثاً عن مكان جديد يؤويه ويؤويها.
تعلو مبنى «مكتبة عياد» اليوم لافتة تعلن قرب افتتاح مقهى، رغم أن عياد لم ينتهِ من «ضبضبة» أغراضه بعد. المكتبة صغيرة جداً (18 متراً مربعاً)، لكن بيروت الرازحة أكثر فأكثر تحت نير قوانين السوق، ضاقت بتلك الأمتار القليلة، وبيومياتها الممتدة على 14 عاماً... في جعبة «مكتبة عياد» قصص كثيرة عن «بيروت الثقافة» بعد الحرب الأهلية، وما رافق تلك المرحلة من أسئلة تتمحور حول المستقبل ولقمة العيش. وفي جعبتها قصص أكثر عن أهل الثقافة، وعن أولئك الذين قذفت بهم الأيام في بلاط الزعامات التي تريد تغيير وجه الحمراء التي كانت ذات يوم جمهوريّة فاضلة للمثقفين، وللمشروع التقدمي والعلماني.

«الخروج من هذه المكتبة أشبه بـ ... الموت. لا أريد لهذا المشروع أن ينتهي» (عصام عياد)
تتأمّل المكان الضيق، وتحسّ بوقع الخسارة ما إن يقع نظرك على أغلفة الروايات القديمة والمترجمة. آلاف الكتب التي تعيش ساعاتها الأخيرة على الرفوف، تمثّل مادة غنيّة تختصر تاريخ تطور فنّ تصميم أغلفة القصص مثلاً. تزيح بصرك إلى الواجهة التي تزدحم بإعلانات من صناعة يدويّة لكتب نادرة... تتوّج هذا العالم البصري الفريد، صور جمال عبد الناصر، وغيفارا، وبدر شاكر السياب، وغسان كنفاني... «هؤلاء رموزُ إرثٍ إنساني جميل، صورهم لها علاقة بالمصالحة مع ذاكرة رائعة»، يقول عصام عياد.
منذ ذاك الصيف من عام 1982، انطلقت رحلة «مكتبة عياد» لتصبح، يوماً بعد آخر، جزءاً من ذاكرة بيروت. يومها، ترجّل عيّاد من سيارة رجل من آل الموسوي، أقلّه ـــــ رغم المخاطر ـــــ من الجبل إلى برج البراجنة. حمل أحد توأميه البالغ عشرة أيام، وعلى زند زوجته التوأم الآخر. وجد نفسه على تخوم بيروت، في قلب الزلزال، بعدما حزم حقيبته، تاركاً رفاقه في برجا (جنوب لبنان)، وأعلن اعتزال العمل السياسي. كان هذا التاريخ مفصلياً في حياة عياد، إذ مثّل نهايةً لخمس سنوات أو أكثر من المعاناة المادية والمعنوية. بائع الكتب هذا مشروع كاتب في الأصل، لكنّه شعر بعد الاجتياح الإسرائيلي بأن وسائل الإعلام تتهرب من الحديث عن الأقلام التي تحمل «اهتمامات فاصلة». وسط أجواء المافيات الثقافية، منعته «عزّة نفسه من التلطي وراء أي حالة»، كما يقول. ودّع العمل السياسي، وقرّر أن يهتم بوضعه الذاتي، وأن «يلطّف حياة أبنائه». اشترى كتباً من دور نشر مستفيداً من بعض الحسومات، حملها في كيسين وبدأ يجول على المكتبات. استمر على هذه الحال نحو عامين «حتى شعرت بأنّ عظامي ستتفتّت من ثقل الأكياس». تعاون لاحقاً مع أصحاب بسطات في البربير والروشة والرملة البيضاء. هناك، كان يبيع كتبه، و«كان القرّاء كثراً، والمبيع جيداًفي عام 1985، راحت القوى الأمنية الرسمية تضيّق على أصحاب البسطات. قرر عيّاد حينها أن يُنشئ مكتبة له، افتتحها في وادي أبو جميل. لكنّ سكان المنطقة لم يكترثوا للمكتبة الجديدة. «بقينا هناك عشر سنوات من دون أن يسمع معظم جيراننا بالمكتبة». تنبّه عياد خلال نشاطه في تلك السنوات، إلى صعوبة منافسة المكتبات الكبرى، فوجّه اهتمامه نحو الكتب القديمة والنادرة، وراح يجمعها.
في أواخر الثمانينيات، «بدأت المكتبات تضعف وتتراجع مبيعاتها». اتخذ عياد يومها قراراً جريئاً: حمل كتبه وافتتح بسطة صغيرة على رصيف الحمراء، أمام مقهى الـ«هورس شو» سابقاً. «أصدقائي المثقّفون كانوا مفلسين مثلي، وقد أثنوا على جرأتي». بقيت البسطة على الرصيف خمسة أعوام، كانت بيروت تعيش خلالها إعادة صياغة لهويتها وذاكرتها وخياراتها السياسية والثقافية والاجتماعية.
وفي عام 1996، اشترى عصام عياد باصاً صغيراً برتقالي اللون، ركنه عند مفرق الـ«إكسبرس» على بعد أمتار قليلة من المقر السابق لجريدة «النهار». نقل كتبه إلى الباص، جاعلاً منه مقر عمله. تحوّل «الفان البرتقالي» إلى موضوع أثير للمقالات الصحافيّة وحتّى القصائد، قبل أن يُزال بقرار من محافظ بيروت... عندها، صار إيجاد مكان صغير للمكتبة أمراً ملحّاً، فوجد عيّاد وكراً صغيراً بين مطعم «بربر» ومقهى «الويمبي»، وسرعان ما تحوّل المكان إلى أحد المعالم الثقافية في الحمراء.
صارت «مكتبة عيّاد» مقصد الباحثين. وجدوا فيها كتباً نادرة ومهمة في المسرح، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والسياسة، والصحافة... كان عياد ينتقي كلّ ذلك بعناية، حتى صار بعض الزبائن يسألونه أن يختار لهم ما يقرأون. الرجل الخمسيني، ليس مجرّد بائع، بل خبير يحفظ عالم المثقفين العرب عن ظهر قلب، ويدرك كيف يقوّم كل نتاج.
قبل أن تودّعه، يعدك عياد بمشروع مقاومة جديد، فهو سيعيد افتتاح المكتبة في صيغة جديدة في «سنتر إيفوار» في الحمراء، رغم بدلات الإيجار الباهظة. «الخروج من هذه المكتبة أشبه بالتقاعد المبكر... وربّما بالموت. لا أريد لهذا المشروع أن ينتهي». تطبع السخرية والمرارة كلامه، فهو يعرف أنّه من «أبناء الإرث الهابيلي، أولئك الذين يتوهمون أنّه يمكن تغيير العالم إلى الأفضل».