غائبون عاثوا فساداً في حياة الشاعر

إنّه الألم سارحاً بين الصور. قصائد واضحة وبسيطة، ولحظات شعرية مركّبة وشديدة الذكاء، تضمّها مجموعته «هدايا الوحدة» التي صدرت أخيراً في القاهرة عن «دار ميريت»

حسين بن حمزة
أصدر الزميل محمد خير مجموعتي شعر بالعامية: «ليل خارجي» (2002) و«بارانويا» (2008)، ثم مجموعة قصصية بعنوان «عفاريت الراديو» (2008). وها هو الشاعر المصري يُفاجئنا بقصائد نثر مكتوبة باللغة الفصحى.
تضم مجموعة «هدايا الوحدة» (دار ميريت ـــــ القاهرة) قصائد واضحة وبسيطة، ولكنها مصنوعة من عناصر ولحظات شعرية مركّبة وشديدة الذكاء. الوضوح والبساطة ليسا إلا السطح الرائق، والمخادع، لمياه الشعر التي تتحرك بطريقة أكثر تعقيداً وكثافةً في الأعماق. البساطة باتت مكوّناً أساسياً في كتابة نثريات الحياة اليومية، وتأريخ الوجود الإنساني الهش فيها. هناك شغل شاق ودؤوب على جعل ما يصل إلى القارئ واضحاً وسهلاً. لعل الشعر موجود في هذا العمل السري، إذْ يتفانى الشاعر في إخفاء أفعاله، تاركاً الأثر الشعري لهذه الأفعال في متناول القارئ.
الوحدة، وما يتفرَّع عنها من عناصر ومعانٍ إضافية، هي البطلة المعلنة للمجموعة. ثمة كائن وحيد يقلِّب وحدته على وجوهها وحالاتها الكثيرة، ويتأمل تجلياتها في مواضع تخصُّ الآخرين أيضاً: «سعداء/ لا حاجة بهم/ للأحلام/ يائسون/ لا طاقة بهم/ للأحلام/ حالمون/ يستفزّون الحياة/ بحُسْنِ نواياهم/ ويبتذلون الحلم/ باعتياد الأمل». في قصائد أخرى، يتشكَّى الكائن من هجر الآخر، ويستعيد تواريخ ومحطات عزيزة وجارحة من حياة سابقة: «برحيلكِ/ لم أعد مديناً/ لكل تلك المصادفات/ التي قادتني إليك/ تحررتُ/ إلا من زنزانة واحدة/ أعجز تماماً/ عن طردك منها/ فأكتفي/ باستهلاك الوقت/ في تدخين الذكريات/ وتلوين ملامحي/ بمشاعر لا تجتمع عادةً/ في نفس المكان/ كالدهشة/ ودموع الكراهية/ في ظلامي الخاص/ أجلس مستريحاً/ لكنني/ كلما لمستُ دفئكِ/ أرتجفْ/ فالأشباح/ تبقى مخيفة/ حتى لو كانت لأشخاصٍ/ نحبُّهم».

قصائد منزلية تتخذ من الكتابة حياةً بديلة
الآخر المفتقد أو الحاضر ليس سوى حجة أو ذريعة للكتابة. لا يتحول الغياب هنا إلى عنصر ضاغط على الشعر نفسه. لقد عاثَ الغائبون فساداً في حياة الشاعر، ولكنه لن يسمح لحضورهم بأن يُفسد القصيدة. وحدة الشاعر خاضعة لعناية شعرية مشدّدة. الألم يجول في الكلمات والصور. العزلة موجودة كمسألة شعرية ينبغي إنجازها بأفضل الشروط التخييلية والأسلوبية الممكنة. في قصيدة «كأن شيئاً لم يكن»، نقرأ: «إلى حيث تنتمين/ ذهبنا معاً/ ثم عدتُ وحدي/ هذا/ بلا شك/ أفضل لي كثيراً/ فهكذا/ لم أتورَّط/ في ارتكاب الوداع/ على أرضٍ تخصني/ أو بين جدرانٍ/ تراقبني كل يوم/ وهكذا/ يمكنني أن أستمر/ في خداع السرير/ والتلفاز/ والشرفة/ فأقنعهم/ أن غيابكِ/ مسألةٌ موقتة».
اللغة البسيطة ملتقطة من معجم عادي يستخدمه الشاعر مثلما يستخدمه أي كائن آخر. إنه معجم الناس أو المواطنين إذا جاز التعبير. الشعر هو اصطياد حالات وصورٍ واستعارات أكثر ديمومة من جوف هذه اللغة المباشرة والمستهلكة: «تأليف الروايات/ يحتاج إلى تجارب/ يفتقر إليها/ عشّاق المقاهي/ فيكتفون بالشعر». الكتابة تصبح حياةً بديلة أحياناً: «معظم تلك القصائد/ خضتُها/ بدلاً من خوض الحياة/ أنا مدينٌ إذاً للكسل/ بمعظم ما يكوِّن تاريخي الحقيقي/ لأكن صريحاً/ أنا مدينٌ للتردد/ لكنني أكثر كسلاً/ من خوض أي نقاشٍ حول ذلك».
تتحرك قصائد المجموعة في جغرافيا ضيقة حميمة. نحس أحياناً أننا نقرأ قصائد منزلية تسمح أحياناً بالمغادرة إلى مقهى أو موعدٍ عابر، ثم العودة سريعاً إلى قوقعة الوحدة: «الشوارع/ التي لا تُطيق الحب/ طردتنا/ إلى البيوت/ بيوتنا متلاصقة/ رغم الكراهية/ بقوة الإسمنت/ الشبابيك/ تلمع في الواجهات/ كدموعٍ معلَّقة/ الشرفات/ هنا/ لم تتذوَّق المطر/ فليس غريباً/ أنْ تيبَّست/ على أسوارها/ أُصص النباتات/ ولا أنْ أصبحت/ المزهريات/ في غرف الجلوس/ مقابر للورد». العزاء الناتج من هذا الشعر يتحول إلى نوع من الحكمة والفلسفة الشخصية. إنها فلسفة وشعر «الإنسان الصغير» بحسب التوصيف المبكِّر الذي أطلقه الناقد السوري محمد جمال باروت على ما شاع لاحقاً تحت مسمَّى «الشعر الشفوي».