حسين بن حمزة

فوز رواية «ترمي بشرر» لعبده خال بـ«بوكر» سيُهرق الكثير من الحبر، ويفتح الباب أمام اشتباكات جديدة على جبهة هذه الجائزة التي لم تتوقف منذ إطلاقها عن تلقِّي الاتهامات والشكوك. شتَّان إن كانت هذه الاتهامات مقنعة أو لا، فالجوائز ستظل مصحوبة بهذا النوع من السجالات بشأن أحقيّة الفائزين بها والغبن اللاحق بالخاسرين.
لقد سبق للجائزة أن واجهت اعتراضاتٍ في النسختين الأولى والثانية، لكن فوز المصريين بهاء طاهر ويوسف زيدان بها، خفَّف من حدّة الاعتراضات. فوز رواية «واحة الغروب» لطاهر كان مقبولاً بسبب خصوصية مسيرته الروائية. وعلى النحو نفسه، جاء فوز «عزازيل» لزيدان بالجائزة نتيجة الإجماع الذي حصدته لدى لجنة التحكيم ولدى شرائح واسعة من القراء والنقاد. وينبغي أن نضيف هنا أن التاريخ الروائي المصري، الضخم والمتنوع النبرات والحساسيات، ساهم في إسكات المعترضين. في المقابل، فإن فوز مصر بـ«بوكر» مرتين، بدَّد أي إمكانية لفوز محمد المنسي قنديل ومنصورة عز الدين بالجائزة في نسختها الثالثة.
أما فوز عبده خال، فمختلف تماماً. هل سيعيد الروائي السعودي إحياء مقولة أدب الأطراف وأدب المركز؟ هل سيُنظر إلى وجود الكويتي طالب الرفاعي على رأس لجنة التحكيم، والعماني سيف الرحبي في عضويتها، كسببٍ في ترجيح كفّة خال على منافسيه الخمسة الآخرين؟ هل سيذكّر بعضهم بالتاريخ القصير والمستجد للرواية السعودية، مقارنةً بالتاريخ الأطول والأقدم والأكثر تنوعاً لسائر المتنافسين؟


لعلّ لجنة التحكيم انحازت إلى الهمّ الاجتماعي
بعيداً من هذه التساؤلات التي نرجو ألا تطفو على سطح السجال على حساب الجدية والعمق، يطرح فوز عبده خال ملاحظة جديرة بالانتباه، هي أن الفائز ينتمي إلى تجربة خاصة، خاضها أصحابها بصمت وتأنٍّ ومثابرة. ليس هناك سمات مشتركة كثيرة بين تجربة عبده خال وتجارب رجاء عالم وتركي الحمد ويوسف المحيميد وليلى الجهني وصبا الحرز، ولكن هؤلاء أنجزوا أعمالهم وفق أجندات أسلوبية وتخييلية، لا علاقة لها بالتطبيل السطحي الذي صاحب روايات سعودية أخرى بدت محكومة بالخفة والتسرع في كشف خصوصية المجتمع السعودي.
يستثمر خال الواقع السعودي، لكنه يقدم صورة قاسية وتحت أرضية لهذا الواقع. تتسرب الخرافة والأسطورة والغرائبية والطقوس والمعتقدات الشعبية إلى رواياته، وتمنحها نوعاً من الخصوصية في مناخات السرد وبناء الشخصيات. تبدو الرواية الفائزة مثل خلاصة لنبرة هذا الروائي الذي تتمتع أعماله بالقدرة على جذب القارئ إلى عوالمها الغريبة وشخصياتها المطحونة، لكنها تعاني من مشكلات على صعيد اللغة وانسيابية السرد.
لعل اللجنة انحازت إلى الهمّ الاجتماعي الذي تطرحه رواية خال. لكن هل ينبغي للقضايا والمضامين النبيلة أن تحجب عنا فكرة أن الرواية تتطلب مهاراتٍ وتقنياتٍ غير عادية كي يتحوَّل الهمُّ الاجتماعي إلى فنٍّ روائي خالص؟ ملاحظةٌ كهذه يمكنها أن تضع نقاشات لجنة التحكيم نفسها موضع تساؤل.