لم تكن المهمة سهلةً على أول رئيسة تحرير في سوريا. منذ استلمت سميرة المسالمة دفّة صحيفة «تشرين»، حتى بدأت الردود على افتتاحياتها وانهالت الاتّهامات ضدّها: من تشجيع التطبيع إلى... السلفيّة!


دمشق ــ وسام كنعان
منذ أن تسلّمت سميرة المسالمة منصب رئاسة تحرير جريدة «تشرين»، كأن زلزالاً أصاب جزءاً من الإعلام الرسمي السوري الذي يغرق في ركوده. على غير العادة، راحت افتتاحيات الصحيفة تثير ردود الفعل، وتدافعت بعض الأقلام للرد عليها من منابر أخرى، رغم أن افتتاحيات رؤساء تحرير الصحف الرسمية في سوريا لا تزيد عادةً عن فسحة لتلميع وجه السلطة، والدفاع عن قرارات الحكومة مهما كانت جائرة في حق المواطن.
ليست الافتتاحيات وحدها ما أثار الجدل في مسيرة المسالمة التي تولّت منصبها منذ شهور. ترافق هذا الأمر مع حملة شُنَّت ضدها على الإنترنت وبلغت أوجها منذ أيام قليلة. إذ راحت بعض المقالات المجهولة تهاجمها ودخلت في إطار المهاترات الشخصية والشتائم. «عانيتُ مشاكل عديدة منذ تسلمي عملي، من بينها تثاقل الكادر البشري، إضافة إلى الجانب الفني والتقني المترهل لدينا» تقول سميرة المسالمة في حديثها لـ«الأخبار». وعن الحروب التي تشن عليها، تقول «دخلوا في حرب شخصية لا أخلاقية، تبدو كحرب الأشباح لأنهم لا يملكون الجرأة لتوقيع ما يكتبون بأسمائهم». لكنّ المسالمة ترى أن الإشكالية الحقيقة وراء ذلك تكمن في أنّها أول امرأة تتسلّم منصباً يشغله عادة
الرجال.
تعتبر المسالمة أنها أنجزت خطوةً هامةً من خلال صدور مجموعة من الملاحق التابعة للجريدة، منها الملحق الرياضي، والاقتصادي وملحق الدراما، والملحق الثقافي. ورغم كل ما يثار في الفترة الأخيرة، تقول المسالمة إنّها تركت الفرصة لمن يود الحوار الفكري أن يدلو بدلوه على صفحات جريدتها. وتضرب مثالاً على ذلك مقالات ناديا خوست التي نشرتها «تشرين» رغم أنّها كانت تنتقد المسالمة والصحيفة. كذلك، تشير المسالمة إلى تصويت مجلس الشعب السوري على قرار فصلها من عملها إثر مادة نشرتها الجريدة بشأن حل التشابكات المالية كتبها منير الوادي. وهو ما اعتبره المجلس مساساً بهيبته فصوَّت على فصل المسالمة والوادي من عملهما. ثم عاد في اليوم نفسه ليصوِّت على الاكتفاء باعتذار الجريدة. وهو ما حصل فعلاً. وهنا، تقول المسالمة: «لا يحدّ حرية الإعلام سوى المصلحة الوطنية. الذهنية التي أعمل بها تتيح المجال لانتقاد أي كان انتقاداً بنّاءً، ثم إن حرية الإعلام الرسمي يجب أن تفوق حرية الإعلام الخاص، عكس ما يروّج لأنّ الصحف الرسمية تعمل من دون خوف من الإغلاق
مثلاً».
ربما أخطر الاتهامات التي واجهتها الجريدة في عهد المسالمة هو التطبيع مع إسرائيل من خلال احتضانها كتّاباً نالوا جوائز «مشبوهة» حسب أصحاب الاتهامات. ومن هؤلاء الزميل خليل صويلح الذي نال أخيراً «جائزة نجيب محفوظ». يومها، اعتبرتها بعض الأصوات بأنها تسهم في التطبيع على اعتبار أنها تنظّمها «الجامعة الأميركية في القاهرة» ويشرف عليها مدير النشر في الجامعة الأميركي مارك لينز. كذلك، فإنّ الكاتب نبيل سليمان صاحب «قصة المدينة القرمزية» التي دخلت في كتاب «مدينة... قصص مدن من الشرق الأوسط» (راجع «الأخبار» عدد 25 تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٠٨) إلى جانب قصّة الكاتب الإسرائيلي يتسحاك لاؤور، وهو ما كان يجهله سليمان على حد تعبيره. هنا تقول المسالمة «رغم إشباع هذا الموضوع بالحديث عنه، إلا أنه يثار الآن لأسباب مفتعلة هدفها حملة انتخابية لاتّحاد الكتاب العرب، وهي تشبه إلى حد ما اتهام جائزة «بوكر» العربية بأنها منحت خلال الحرب على غزة. وهو أمر مختلف ليس له تلك الأبعاد».


تعزو الهجوم عليها إلى كونها أول امرأة تتسلّم منصباً يشغله عادةً الرجال
لم يكن التطبيع وحده التهمة الخطيرة التي تحملت أول رئيسة تحرير سوريّة وزرها. إذ تعرّضت أخيراً لاتهامات بالسلفية والتشجيع على الظلامية بعدما رفضت نشر زاوية للكاتب حسن م يوسف. تقول «الزاوية تدخل في إطار الإفتاء، فهي تقول بأن الحجاب فَرض لنساء النبي فقط. موضوع المادة لا يمكن أن ينشر في الجرائد الرسمية». وتدعو المسالمة إلى التفريق بين الإعلام الحكومي وإعلام الدولة، على اعتبار أن الإعلام الحكومي ليس ضرورياً أن يدافع عن السلطة، بل يمكنه انتقادها بصورة خلاقة من دون المساس بالمصالح الوطنية».
من جانب آخر، يأخذ بعضهم على المسالمة موافقتها على نشر مادة نقدية وحيدة عن مجلة «جسد» التي ترأس تحريرها الشاعرة جمانة حداد وذلك على صفحات ملحق «تشرين» الثقافي. ويعتبر هؤلاء أنّ هذا الأمر يُعد ترويجاً للمجلة التي تتناول بعض التابوهات، ولا يجوز التطرق لها على واجهة الإعلام الرسمي
السوري.
وسط كل هذه الحملات، تبدو المسالمة مصرّة على الاستمرار في تطوير خطواتها ضمن الإمكانات المتاحة. ها هي تدرس إمكان إطلاق موقع جديد مستقل لـ«تشرين» يمكّنها من الترويج للملاحق المتخصصة التي تصدر عن الجريدة.


أقلام مجهولة

رغم عدم توقيع المقالات التي أعلنت الحرب على أول رئيسة تحرير سورية، سرت شائعات أن من يقف خلف المعركة مجموعة صحافيين عاملين في «تشرين» من بينهم زياد غصن الذي قدم إجازة بلا راتب فور تسلّم سميرة المسالمة مهماتها والصحافي سعيد هلال الشريفي الذي نشر مقالاً وضّح فيه أنه مُنع من الكتابة بناءً على قرار رئيسة التحرير. المسالمة (الصورة) نفت ذلك جملةً وتفصيلاً، موضحةً أنها اختلفت مع الشريفي بسبب زاوية منشورة ولم تمنعه من الكتابة نهائياً. فيما أوضح زياد غصن لـ«الأخبار» أنه قام بخطوته تلك لأنه يعرف مسبقاً أنّه لا يتفق مع طريقة المسالمة في العمل.