أول مشروع توثيقي لـUnderground اللبناني


بشير صفير
تقول الكاتبة والباحثة اللبنانية غالية سعداوي في النص الافتتاحي لكتاب «تسجيلات بلا عنوان ـــــ عن الموسيقى البديلة في بيروت»: «على الرغم من أن هذا الكتاب ينطلق في بادئ الأمر من عملٍ توثيقي مستمر، لمصوِّرة واحدة تقوم بدمج بعض العناصر الفاعلة التي تمثّل جزءاً من ساحة الموسيقى البديلة الحالية في لبنان، فإنه لا يُقصد به كتاباً كاملاً، شاملاًكرونولوجياً، أو مهللاً لهذا المجال بعينه». هذه الكلمات تجعل الكتاب الصادر عنAmers Editions (دار «منارات» التي تشرف عليها سارة صحناوي)، ضمن إطار «بيروت عاصمة عالمية للكتاب»، يُقرأ من افتتاحيته لا من عنوانه، إذ إنّ العنوان يوحي بأننا أمام عملٍ توثيقيٍّ شامل أو مقاربة تحليلية ونقديّة تتطرق إلى الجانب الفنيّ، كما إلى الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي تمخضّت فيها التجارب الموسيقية.
هكذا، انطلق معدّا الكتاب، غالية سعداوي وزياد نوفل، من توثيقٍ فوتوغرافيّ انتقائيّ بعنوان «الموسيقى هي الحياة» للمصوِّرة تانيا طرابلسي التي رافقت النشاط الموسيقي البديل في بيروت، والتقطت بعدستها وجوهاً وأحداثاً ولحظاتٍ فنية. إذاً، مثّلت الصورة عموداً فقرياً لناحية توجيه النصوص المكتوبة وتحوّلت عناصر الصورة إلى أدوات غوْص في اللحظة المتجمّدة. هل من المنطق




مقطع من BELONG - BLEND








أن يحدِّد ذوق المصوّرة الموسيقي الشخصي سُبُل البحث في التجارب وانتقاء الأسماء؟ على أي حال، هذا ما تبرره غالية سعداوي في مقدِّمة الكتاب. لكنّ التبرير غير مقنع في محلٍ ما. جميع التجارب التي صُوّرت وتناولتها النصوص المكتوبة، تنتمي إلى دائرة حراكٍ فنيّ/ اجتماعي واحدة. وليس هناك من إشارة إلى اسمٍ واحدٍ من الفنانين الذين ينشطون في المجال ذاته والبيئة والزمان ذاتهما،



مقطع من LE ZAALEN? - SOAPKILLS








لكن ضمن دوائر أخرى («سلاف»، «بسيطة»، زياد سحاب، أندريه مسنّ، زياد الأحمدية، مي نصر، غازي عبد الباقي...). ونقصد بهذه الدائرة الواحدة، الأنماط الموسيقية الغربية الشبابية الحديثة والأسماء التي ترتبط هامشياً أو عضوياً بالمنتج الموسيقي زيد حمدان (لا ننكر نشاطه الاستثنائي في هذا المجال)، أو ببعض مؤسسات الإنتاج، إضافةً إلى البيئة الاجتماعية البيروتية الميسورة، ذات الالتصاق الثقافي الوثيق بالغرب. ولا يمثّل اجتماع هذه العناصر الثلاثة شرطاً للانتساب إلى الدائرة المذكورة. لكن اجتماعها يؤدي حكماً إلى ذلك.



مقطع من MOTHER SYSTEM - SCRAMBLED EGGS








من جهة ثانية، وبالعودة إلى الكتّاب المشاركين في العمل، نشير إلى نص غالية سعداوي الصعب والعميق والمتماسك والشامل... لكنّه تعرّض للتشويه في ترجمته العربية. وهنا تكمن المشكلة الأكبر في «تسجيلات بلا عنوان». إذ وردت أخطاء فادحة في الترجمة، رغم أنّها أُنجزت على أيدي ستة مترجمين، وخمسة مساهمين آخرين في هذا الجانب، ومدققَيْن لغويَّيْن! وهنا السؤال الأهم: هل يُعقل أن يحوي الكتاب ستة نصوص لكتّاب لبنانيّين (ونصين لكاتبَيْن أجنبيَّيْن)، عن موضوع لبناني، كُتِبَت جميعها بالإنكليزية بلغة متمكنة، في حين أتت ترجمة بعضها رديئة؟! ليس في الكتاب سوى نص وحيد كُتِب أساساً بالعربية وتمّت ترجمته (الجيدة جداً) إلى الإنكليزية ويحمل توقيع... الناقد الراحل نزار مروّة. ولعله كان من الأجدى أن تبقى النصوص من دون ترجمة.
المساهمة الأساسية الثانية هي للـDJ والمنتج الموسيقي ومعد البرامج الإذاعية زياد نوفل. مقدِّمة موفقة، تأسر القارئ وأسلوب سلِس ومشوّق،... هي سيرة ذاتية لحياة احتلت الموسيقى المساحة الأكبر منها. نوفل يتذكر «معترفاً» بأن ما يسرده ناتجٌ مِن احتكاك شخصيّ مع هذا الفنان، أو مِن حضور الحفلة تلك. كذلك يقدّم مختصراً مفيداً عن الفرق، عارضاً نشأتها وتطورها ونتاجها. وكتب الفنان والكاتب وليد صادق نصاً يتناول فيه مقالة نزار مروّة «شرعة الضجيج» (1968)، بأسلوب تحليلي، قبل أن يسقطه على الزمن الراهن لتأكيد صوابيته وضرورة ما جاء فيه.
وفي «تسجيلات بلا عنوان» نصوص لمجموعة من الكتّاب الباحثين، مثل

تناولت ريّا بدران الكآبة في الموسيقى انطلاقاً من تجربة فرقة Soap Kills
ريّا بدران التي تناولت مفهوم الكآبة في الموسيقى انطلاقاً من تحليلٍ موفَّق لتجربة فرقة «سوبكيلز». وسيرج أبي عاد الذي يساعد نصه في مقاربة الجزء البصري من الكتاب، منطلقاً من تحليل صورة لفرقة الراب «كتيبة ـــــ 5»، إضافة إلى نصٍ لسث أياز وآخَر لكايلين ويلسون ـــــ كَولدي تناولا الموسيقى المرتجلة الحرة والتجريبية في بيروت. ويختتم الكتاب بخواطر شعرية بالإنكليزية لشربل الهبر.
صحيح أن هذا الإصدار لا يدّعي التوثيق الشامل، ولا يصبو إليه أساساً، لكنّه في سعيه إلى إلقاء الضوء على تجارب مهمّشة، يزيد ردماً فوق تلك التي أغفلها. وبالتالي، ستعكس مرآته صورة أحادية الهوية والنكهة. صورةٌ توحي لناظرها بأن بيروت اليوم «عاصمة أجنبية»، وبأن اللغة العربية في بعض التجارب الغنائية المتناولة ليست سوى عنصر «إيكزوتيكي» في مجتمع ـــــ إن تكلمّ وغنّى بالعربية ـــــ فهو (يفتخر بأنه؟) لا يكتبها جيداً.


تقام حفلة توقيع الكتاب بين السابعة والعاشرة من ليل اليوم ـــــ مطعم Gruen (الجفينور/ بيروت) ـــــ للاستعلام: 802444/03