«ليش بعدنا منشتغل أخبار؟» سؤال انطلق به الصحافي جاد غصن في برنامج «تحت طائلة المسؤولية» على «الجديد» ليصنع حلقة (ساعة تلفزيونية) خرجت فرضيتها من هاجس شخصي اعترى غصن منذ ثلاثة أشهر حول مهنته وشعوره بالإحباط الدائم بسبب عجزه هو وزملائه عن التغيير.


هاجس حوّله الصحافي الشاب الى سرد درامي رافقه فيه زميله رامز القاضي الذي كان بمثابة المرآة التي ينظر إليها ويتحدث معها عن همومه وطروحاته.
هذا السرد استكمل على طريقة تلفزيون الواقع بنقل للمعاينة النفسية التي دارت بين غصن والطبيب النفسي نبيل خوري وفيها خرجت الإشكاليات وطرق «العلاج».
إذاً، زاوية جديدة شخصية هذه المرة دخل منها غصن لصناعة هذا العمل الذي يؤخذ عليه عدم شموله لزملاء آخرين من قنوات أخرى يمكن لشهاداتهم أن تغني الوثائقي، إلى جانب طريقة عرض الفيلم التوليفية التي جاءت خاطفة سريعة لمجموعة تصريحات يمكن الوقوف عند كل منها
طويلاً.
البحث في أحوال المهنة ومصيرها، وغرف الأخبار والعلاقة مع الجمهور، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للجسم الصحافي... إشكاليات حاضرة دوماً في يوميات عالم الصحافة والإجابة عنها تتطلب الخوض في شبكة محكمة تبدأ من النظام السياسي في لبنان وعلاقته بالجسم الإعلامي وبمطابخه ولا تنتهي بما طرأ على هذه المهنة من وسائط اتصالية حديثة ألزمت دخول الإعلام في أنماط بديلة قد تحميه من هذا الغول الإلكتروني.
لكن غصن ارتأى مقابلة ومساجلة العاملين أمام الكاميرا في هذا المجال المرئي، علّه يجد أجوبة شافية على الهمّ الذي يؤرق الجميع أي مستقبل الصحافة.
ويمكن لهذا الأمر أن يضعف قليلاً بنية هذا الوثائقي لأنّ أجوبة كثيرة قد تكون حاضرة على مائدة صنّاع وطبّاخي النشرات الإخبارية وليس على من يقرأها أو يقدم برامج «توك شو».
المقابلات أجراها غصن مع مراسلي/ات ثلاث محطات محلية: دنيز فخري، جيسيكا عازار، وليد عبود (mtv)، نوال بري، رامي الأمين، رامز القاضي، جورج صليبي (الجديد)، ديما صادق، بسام أبو زيد (lbci)، جوزفين ديب، جاد أبو جودة (otv).
ورغم توليفها الخاطف، إلا أنها تكشف حقائق شفافة وواضحة بين من امتهن الصحافة المرئية لخدمة «قضية سياسية» كما صرّح أبو زيد وأبو جودة، وبين من أقرّ بأنّ مجرد الدخول الى هذا العالم يحيل أوتوماتيكياً الصحافي الى ميدان التسطيح والاستسهال. هذه المواقف وغيرها يجب أن لا تمرّ مرور الكرام، بل إنّ لمدلولاتها أثراً كبيراً على بنية هذه المهنة ومن يتصدرها في الواجهة من مقدمين ومراسلين.
تجزم صادق في هذا المجال بأنّ «التلفزيون بيسطحك»، ويقول أبو جودة (otv) إنّ «العاملين في هذا المجال هم أناس سطحيون فارغون» هدفهم «حب الظهور وليسوا أصحاب قضية».
هذه التصريحات الشفافة شاهدناها في الحلقة، إلى جانب الخوض في معايير الصحافي المهنية والجمالية، والبحث في ما إذا كان العمل الصحافي مؤثراً في الجمهور أو لا، وإذا كان قادراً على إحداث تغيير ما (من خلال العمل تبين أنّه لا مجال لهذا التغيير رغم بذل جهود مضنية لكشف الفساد). هذه التساؤلات العقيمة قد تعقّد الإجابة وتبعد عن السؤال الأساسي «ليه بعدنا منشتغل أخبار؟».
وهذا ما بدا في نهاية الوثائقي الذي فتح الباب أمام توقعات ولم يحسم القضية/ الحافز التي دفعته الى صناعة هذا العمل، ربما كان الهدف طرحها على الملأ فقط، مع المعرفة المسبقة بصعوبة معالجتها.