روجيه عساف، أسامة العارف، شكيب خوري، يعقوب الشدراوي، إدوار أمين البستاني، عصام محفوظ، بول شاوول، أنطوان ملتقى، جلال خوري، ريمون جبارة، منير أبو دبس، برج فازليان... «هكذا» (دار الآداب) سيرة خاصة للستينيات والسبعينيات على الخشبة اللبنانيّة


حسين بن حمزة
يحبِّذ عبيدو باشا أن يكون راوياً. فعل ذلك في كل مؤلفاته تقريباً. بات متخصصاً في نوع محدد من الكتابة، هو كتابة السِّيَر. لعلَّ هذا الميل قادم من تجربة «مسرح الحكواتي» التي كان واحداً منها. الفارق أن باشا لا يوثِّق حكايات فقط. الكتابة هنا أكثر دسامة من التوثيق. في البداية، كتب في النقد المسرحي. أنجز «موت مدير مسرح» و«بيت النار» و«ممالك من خشب». أرّخ للتجربة اللبنانية، وأطلّ على تجارب عربية عبر مهرجانات أو عروض متفرقة. لاحقاً، أخذه توثيق المسرح وتخليد تجاربه إلى كتابةٍ تسعى إلى خلط التجارب الإبداعية بالسِّيَر الشخصية لأصحابها. «كتاب الراوي» كان بداية تلك الانعطافة، إذْ تضمن بورتريهات منفصلة لشخصيات أدّت أدواراً بارزة في صنع الثقافة والفن والأدب في لبنان: الشيخ عبد الله العلايلي، عارف العارف، جورج نصر، عاصي الرحباني، نزار ميقاتي، بول غيراغوسيان، توفيق الباشا، محمد شامل، محمد كريم. كأن باشا كان يمدح زمناً ذهبياً ويرثيه في آن. الأمر نفسه حدث في كتاب «هم» مع: منصور الرحباني وفيروز، عبد الحليم كركلا، كامل مهنا، رفيق شرف، أمين الباشا، وجيه ناصر، نصري شمس الدين، حليم جرداق. أسماء حية وراحلة، ولكنّ آثارها لا تزال صالحة للبحث والإطراء والتطوير.
هكذا يذهب عبيدو باشا إلى زمن التأسيس اللبناني. يجول على رواد الرسم والمسرح والموسيقى واللغة والسينما والتلفزيون والغناء، ويعود منهم بخلاصات مأثورة يقيس بها الحاضر، ويَزِنُها بتصورات المستقبل.
أما في كتابه الجديد «هكذا ـــــ انقلاب التغيير على أبطال التغيير في المسرح» (دار الآداب)، فيحفر باشا في منطقة واحدة. المسرح يشغل الكتاب كله. فكرة التأسيس والريادة حاضرة هنا أيضاً، لكن التركيز على المسرح يفسح المجال لمعاينة أكثر تخصصاً. يقتفي باشا أثر: روجيه عساف، أسامة العارف، شكيب خوري، يعقوب الشدراوي، إدوار أمين البستاني، عصام محفوظ، بول شاوول، أنطوان ملتقى، جلال خوري، ريمون جبارة، منير أبو دبس، برج فازليان... مؤلفون ومخرجون يختصرون حكاية صعود المسرح اللبناني. المؤلف يُعيد تأليف الحكاية بمنطق سِيَريّ. صفته كممثل وناقد مسرحي تجعله من أهل البيت. صفةٌ تجعل الكتاب يتحرك بين قراءة التجارب من الخارج ومن الداخل. يتبدّى ذلك خصوصاً في القسم الخاص بعساف والعارف وخوري الذين عمل باشا ممثلاً في بعض أعمالهم.
ينتبه القارئ إلى وجود قنوات جوفية تسمح بتداخل الأفكار لدى هؤلاء، وتفاعل إنجازاتهم الفردية. إنهم منتمون إلى حقبة واحدة تقريباً هي الستينيات. فكرة الكتاب قائمة على قراءة هذه الحقبة، والمصائر التي انتهت إليها. لا يفرد باشا الكثير لصنيع الأبناء والأحفاد من الأجيال التالية. ربما لا يزال الوقت مبكراً للحكم على الحاضر، وخصوصاً أن شخصيات الكتاب لا تزال حاضرة بطريقة ما. ولكنّ القارئ ينتبه إلى أن ألماً ما يصاحب لغة الكتاب ونبرة مؤلفه. يؤرخ باشا تجارب شخصياته. يحتفي بها ويرسم خطوطها البيانية ومنعطفاتها. نجاحاتها وأخطاءها. الفكرة الجوهرية للكتاب موجودة في عنوانه. ثمة انقلاب ما أطاح استمرارية هذه التجارب وحيويتها. لعل هذا هو مصير المؤسسين والرواد. لا يتجاهل باشا هذه المسَلَّمة، ولكنه يسعى ـــــ في الوقت نفسه ـــــ إلى قراءة تراكمية لهذه التجارب التي تبدو كأنها تعرّضت لنوعٍ من الغدر. يعدِّد المؤلف أسباباً وعوامل كثيرة: غياب الأحزاب، سقوط الإيديولوجيات الكبرى، انهيار الطبقة الوسطى، السلم الأهلي المهدّد.


غياب الأحزاب، وسقوط الإيديولوجيات وانهيار الطبقة الوسطى



لا يكتب عبيدو باشا سِيَراً محايدة. السيرة مستهدفة طبعاً، لكنها هنا ذريعة لطرح تساؤلات مسرحية وغير مسرحية. المسرح لا يحدث فقط على خشبات المسارح. إنه ابن السياسة والاقتصاد والمجتمع. ثمة نبرة اتهامية في لغة الكتاب. نبرة موجعة طالعة من رؤية شاملة للواقع اللبناني وتبدلاته المنطقية وغير المنطقية. توثيق التجربة المسرحية في الستينيات والسبعينيات لم يمنع المؤلف من ملامسة حدود الراهن. الراهن هو أحد عناصر الانقلاب على التجربة.
لعلها سابقة أن يجري الحديث عن ظواهر وممارسات ثقافية معينة كحصيلة بائسة لتورّط المثقف في خدمة السياسي بالمعنى الانتفاعي والمباشر. ولهذا، وضع باشا «شهادة» جارحة لكتابه بدلاً من المقدمات التقليدية. ثمة حديث عن اشتباكات «مسرحية» مفتوحة بالمجان في الأزقة والأحياء اللبنانية. عن تغيّر الفضاء المديني في بيروت. عن سعي المثقف إلى الالتحاق والارتزاق. يسمّي باشا «الرفيق نصير» القيادي السابق في «منظمة العمل الشيوعي» الذي «غادر التجربة السياسية للعمل لدى تيار سياسي محلّي». بالنسبة إلى باشا، هذا مثال، بين أمثلة عديدة، على تغيّرٍ خطير يسمح بسقوط المثقف في غياب معايير ثقافية وأخلاقية تُدينه.
يراهن عبيدو باشا على ما هو أبعد من المسرح. هذا ما تقوله لنا لغة الكتاب التي تشتغل على طبقات كثيرة. هناك بورتريهات على السطح، لكنها ليست بيبليوغرافيا جافة يُكتفى فيها بتدوين المحطات الأساسية للشخصيات.