محمود عبد الغني

مع مطلع عام 2010، يطلّ روائي صيغة الغائب أحمد المديني في مجموعة قصصية تأتي أغلب نصوصها بصيغة المتكلم. «عند بوطاقية ـــــ أغرب القصص» («منشورات أحمد المديني» ـــــ الرباط)، مجموعة قصص، كتبها على الأرجح لأنه أراد أن يخمن أفكار شخصياته. قد تكون النوستالجيا التعبير الأصلح لوصف حالة شخصياته. بوطاقية هو الحسين «البطل الرئيسي الآخر»، في قصة «بل أنا الذي سأحكي لك»، المنحدر من قبيلة ايت باعمران المقاومة في الصحراء المغربيّة، القادم إلى الرباط للعمل طباخاً في مقهى. ينسج بوطاقية علاقاته مع محيطه، لكن لسوء حظه يجد نفسه في مدينة كل من جاء إليها يكتب تشكّيات، إن كان كاتباً، أو يتحين الفرصة للهرب إن كان عاملاً بسيطاً. تظهر المدينة مكاناً خيالياً، حيث التجارب محدودة وحيث يمشي الفرد كل يوم في طريق واحد، ويجلس في مقهى واحد، ويتنزه في حديقة واحدة، ويتبضّع من بقّال واحد. المديني نفسه لا يطيق المكوث فيها أكثر من شهر واحد، فيهجرها إلى بيروت أو باريس أو عمان. من هناك يكتب كأنه يغالب البكاء.تتحول باريس إلى فضاء لقصة «الدرجة السياحية»، فتأتي خاتمتها النوستالجية البوحية كئيبة. القاص يتعمق في وصف التعاسة والمفارقات الاجتماعية، وينتهي منها ضاحكاً. يتردد صدى قصيدة الشاعر الألماني هاينريش هاينه: «في ما مضى كان لي وطن حبيب»، حين يجعل الكاتب نفسه إحدى الشخصيات. لجأ إلى هذا الخيار لأنه وجد قصصه تتشكل خلافاً لرغبته، والشخصيات تتصرف بطريقة مغايرة لما فكّر فيه. حاول تفادي ذلك، لكن عبثاً، فحشر نفسه بين الشخصيات، لتأتي قصة «الدرجة السياحية» شبيهة بتلك القصص التي تصف إنساناً يسير في الظهيرة، في حديقة، وفجأة يلتقي وجهاً لوجه مع الموت.
ينسج القارئ علاقة مع القصة، يغيِّب الكاتب، أو يعدّه عريف حفلة ما. ربما من الأفضل تأويل قصة «الدرجة السياحية» على هذا النحو. وهذا لا ينطبق على المديني، صاحب الكتابة الرمزيّة فحسب، بل ينطبق على كل القاصّين في سعيهم الدائم إلى الرمزيّة. هنا، يحاول الراوي الاقتراب من الشخصية المرموقة التي التقاها في المطار، لكنها تنأى عنه. مهمتنا إذاً في كل ما نفعل ليست النجاح، «بل مواصلة الفشل بمرح»، كما يقول ستيفنسون. في قصة «سأحكي لك»، يكتب المديني:«.. لا، كلا، لم تحدث الأمور على هذه الشاكلة. ما أسمعه تحريف للصورة الأصلية، وافتئات إن لم أقل تزويراً لحقيقة هؤلاء الأشخاص الذين تحدثت عنهم، وعموماً لما حملتني مسؤولية سرده».


قصص النوستالجيا والتردد والغرابة واللايقين
كأنّنا به يقول إن ما ذكره من أسماء واقعية لمدن وفضاءات وأمكنة هو خيالي. في الأدب، وربما في غير الأدب، كل الأمكنة خيالية. في هذه القصة بالذات، ترتفع وتيرة اللايقين. إنها دليل نصّي على أن القاصّ يضطلع بالمهمات الأكثر غرابة، ألا وهي التردد، والتراجع عما قاله سابقاً. أليس قول الصدق والاستمرار بوصف الشيء لاستكماله والإحاطة به فقراً في المخيّل؟ أليست الرغبة في إيجاد خواتم قمة البلاهة؟
ما إن ننتهي من قصة «سأحكي لك» مثلاً، حتى ندخل مباشرة في أجواء القصة المجاورة «بل أنا الذي سيحكي لك». هكذا تبدو موضوعة اللايقين قنفذاً يختبئ في كل القصص... النتيجة التي تصل إليها قصص «عند بوطاقية»، هي النتيجة نفسها التي وصل إليها رجال البنوك: الكل في أزمة، وعلى رأس تلك الأزمات، نجد أزمة البحث عن المعنى.