سجال حاد وجارح يشغل المثقفين المغاربة


الرباط ــــ ياسين عدنان
بعد الحرائق التي شبّت في خيمة «اتحاد كتاب المغرب» وأدت إلى إقالة رئيس الاتحاد عبد الحميد عقار، ها هي حرائق جديدة تشبّ داخل «بيت الشعر» هذه المرة. وإذا كانت معارك الاتحاد قد احتدمت داخل مكتبه التنفيذي، فإن حرائق بيت الشعر في المغرب قد اتخذت من الصحافة الوطنية مسرحاً لها. هكذا تبادل مسؤولو بيت الشعر السابقون والحاليون التراشق بألسنة النار على صفحات الجرائد. الشرارة الأولى اندلعت مع رسالة مفتوحة بعث بها الشاعر محمد بنيس الرئيس المؤسس لـ«بيت الشعر» إلى رئيسه الحالي الشاعر نجيب خداري، اتهمه فيها «بالاستيلاء على هذه المؤسسة الثقافية وخيانة فكرة البيت عبر بثّ روح العداء بين الأعضاء، بدلاً من روح الصداقة والأخوّة، وتحويل البيت إلى مكان مغلق على المكيدة والإلغاء، بعد أن كان مكاناً للقاء والتضامن» (راجع «الأخبار»، ١٩/1/٢٠١٠بنيس الذي كان أحد المعلنين لتأسيس «بيت الشعر» سنة 1996، وبقي رئيسه لثلاث ولايات امتدت حتى عام 2003، اتهم نجيب خداري «بتنفيذ الإعدام المدني في حق (البيت)»، بمباركة من الرئيس الأسبق حسن نجمي. هكذا، يوضح بنيس الذي ترددت في رسالته كثيراً كلمتا الخيانة والإعدام: «شطبوا اسمي من أنشطة «بيت الشعر في المغرب» وخطاباته ومنشوراته. وضعوا كل ما قمت به وما أنجزته (وأنجزه) في مزبلة وأحرقوه،00 حتى لا يبقى له أثر. (...). كل ذلك بسبب رفضي (وفضحي) تبعية الثقافي للسياسي».
طبعاً، رسالة محمد بنيس ما كانت لتمرّ في صمت. فيما كان الكل يتوقع رداً من رئيس بيت الشعر، بدأ بنيس يتلقّى الردود من شعراء آخرين خرجوا من مكامنهم ليشتكوا بدورهم من معاناتهم مع الإقصاء الذي عاشوه هم أيضاً مع «بيت الشعر»، لكن... في الفترة التي كان فيها بنيس رئيساً له. هكذا كتب الشاعر صلاح بوسريف، أحد الأعضاء المؤسسين لبيت الشعر، رسالة إلى صاحب «هِبة الفراغ» اتهمه فيها بأنه كان أول من «عمل على هَدْمِ البيت حين سعى لتحويله إلى تَرِكَة شخصية»، ثم واصل بوسريف انتقاده لبنيس: «أسألُ الرئيس السابق أن يُخبِرني، متى استدعاني للقَاءٍ أو لمهرجان، أو طلب مني الكتابة في المجلة، أو استشارني في أمر مجلة «البيت» التي كنتُ رئيس تحريرها، فقام بإزالة اسمي، من دون استشارتي (...) أسألُ، دائماً، هذا الذي يَدَّعي على الآخرين وينسى نفسه: أعْطِني حجّة واحدة على أنك فعلت هذا، قبل أن تتهِمَ الآخرين». ويخلص بوسريف، بنبرة اتهاميّة قاسية، إلى أن بنيس من الشعراء «الذين اقتاتوا من ادّعاء اليُتم والتآمر السياسي، وسَعَوا أن يكونوا حاضرين بصِفات الإلغاء والإبعاد والإقصاء، وقالوا ما قالوه في المؤسسات، هم من يسعون اليوم إلى العودة بالقميص نفسه. وهم من كانوا، دائماً، لا يُوجدون إلا بفضل المؤسسات، وما زالوا لا يستطيعون الحياة إلا بها».
وإذا كان بوسريف الذي غادر بيت الشعر منذ مدة طويلة إثر نزاع شخصي بينه وبين محمد بنيس قد وجد في رسالة بنيس فرصة لتقليب المواجع القديمة، فإن شعراء آخرين من الجيل الجديد صار لهم وضع داخل بيت الشعر تصدّوا هم أيضاً لبنيس عبر مقالات نشرتها الصحافة المغربية. طبعاً هناك الكثير من الانتقادات توجَّه يومياً إلى بيت الشعر، لكنّ المشاركين في النقاش لفتوا إلى أن هذه المؤسسة صارت اليوم «أقل ارتباطاً بشخص رئيسها، وأكثر انفتاحاً على الحساسيات الشعرية الجديدة». وهناك من لفت إلى أن بنيس خرق في حينه القانون الذي يقضي بأن يُعاد انتخاب الرئيس مرة واحدة فقط.
خيّل إلينا أن الأمور ستتوقف عند هذا الحدّ. لكن ما إن خفت النقاش، حتى فوجئ الجميع بردّ صاعق على محمد بنيس، باسم «بيت الشعر»، وقّعه 11 شاعراً وأديباً، بينهم رئيسان سابقان لبيت الشعر (الشاعر حسن نجمي والناقد عبد الرحمان طنكول) ورئيسه الحالي. انتقدت الرسالة استناد رسالة بنيس إلى «تصوّر شخصي في رؤيتها للعمل الثقافي»، ما جعل ذاتَهُ تتقدم في الرسالة على صورة «قدّيس خذله أتباعه». بل إن هذه الذات، حسب النص الجماعي المشار إليه، تبدو نادمة على ما لم تفعله عندما كانت تتحكم في زمام البيت، نادمة لأنها لم تتخلّص مِمَّنْ يُزعجها من الأعضاء، حتى يتسنى لها أن تُتوَّج رئيساً أبدياً».
كذلك نفى الردُّ ما اشتكى منه بنيس في رسالته من تجاهل وإلغاء، إذ أكد أنّ جميع أخبار هيئة «بيت الشعر» ومعطياتها وأنشطتها ترسل بانتظام إلى الرئيس السابق. ثم ذكَّر بالاحتفاء الذي خصّصته مجلة «البيت» التي تصدر عن بيت الشعر لبنيس في عددها المزدوج 11/ 12، مع العلم بأن بيت الشعر سبق أن قرر منح جائزة «الأركانة» لبنيس، لكن هذا الأخير رفضها لأسباب مجهولة، مثلما رفض دعوة «بيت الشعر» للمشاركة في معرض الكتاب في الدار البيضاء عام 2008، وتصريحه بمقاطعة أنشطة البيت. لكن ردّ «بيت الشعر» على رئيسه المؤسس بلغ ذروة القسوة وهو يستوضح بنيس «كيف يتسع جسده للقصيدة والضغينة في آن؟»، ويتهمه بـ«الحربائية وتغيير الألوان وفق الظروف والمصالح الشخصية»، قبل أن يشبّهه بالوَرَل، «ذلك الحيوان الصحراوي الزاحف الذي يعطي الانطباع بأنه هارب دائماً، لائذ بظلال التلال الرملية، فيما هو يتهيّأ ليمسك بسيقان الإبل كي يمتص دمها»!
طبعاً، كان ردّ بيت الشعر موجعاًَ، لكنه لن يفحم صاحب «الحق في


صارت المؤسسة اليوم أكثر انفتاحاً على الحساسيات الشعرية الجديدة
الشعر»، المعروف بولعه بالسجال. ويُتوقع أن يعود بنيس قريباً بردّ جديد يفتح «بيت الشعر» على المزيد من الحرائق... لكن أين الشعر في كل ما يحدث؟ صحيح أن هذه المؤسسة الثقافية راكمت أخيراً عدداً من الإنجازات، فقد حرصت على ضمان الصدور المنتظم لمجلة «البيت»، ونشرت 14 ديواناً لشعراء شباب، واحتفت بمحمود درويش وسعدي يوسف بمنحهما جائزة «الأركَانة» العالمية للشعر، التي أصبحت تمنح سنوياً، إضافة إلى انهماكها في الإعداد لدورة جديدة من المهرجان العالمي للشعر ومؤتمر وطني لشعراء المغرب. فهل يمكن السجال الحالي أن ينعكس إيجاباً على تلك الدينامية؟
أما الشاعر المغربي محمد بنيس، فلم يفقد بريقه بعد تنحّيه عن رئاسة البيت في 2003، بل واصل عطاءه النقدي والشعري، وفاز بجائزة سلطان العويس في 2006، وجائزة «فيرونا» الإيطالية العالمية سنة 2007، إضافة إلى حضوره في أهم المحافل الشعرية العالمية. وربّما كان من الظلم أن نصفه بأنّه «لا يُوجد إلا بفضل المؤسسات، وما زال لا يستطيع الحياة إلا بها»! وقد يكون بدوره في غنىً عن السجال الحالي الذي يشغل الجمهور العربي عن إبداعه وأبحاثه، ويسيء إلى صورته كمثقف مغربي بارز. هذا الكلام يتكرر بين صفوف المثقفين المغاربة، ومنهم من يرى أن كل هذا السجال ـــــ على السلطة في النهاية ـــ يبقى على هامش الشعر وخارج القصيدة. فهل يعود شعراء المغرب إلى قصيدتهم؟ أم أن المزيد من الزوابع المفتعلة ستهبُّ في فناجينهم في الأيام المقبلة؟