تختلف صناعة الحكاية عند جميل ملاعب (1948). ببساطة، هو يروي الصورة، يروي ما يراه، يروي كل ما مر على عينه. الرسام اللبناني المخضرم يؤكد دائماً أن الفن ما هو إلا تجسيدٌ للواقع ولو برؤيةٍ خاصةٍ بعض الشيء. يرى أن الجميع سيصبح فناناً، فببساطة ما نفعله اليوم عبر هواتفنا يضعنا أمام «فنٍ» من نوعٍ خاص، نشارك به بكل ما لدينا من حواس. جاء «متحف جميل ملاعب» الذي افتتح أخيراً في مسقط رأسه «بيصور» في جبال الشوف، ليؤكد أنَّه مستمرٌ في «حلمه» بأن يظل يرسم، باحثاً دائماً عن الجديد ومؤرخاً لمسيرة بدأت منذ الستينيات.


يقع المحترف في ثلاثة طوابق. بعد خمس سنواتٍ من العمل الطويل والدؤوب، «أتى المحترف كإجابة على سؤالٍ كان يسكنني، ماذا سيأتي غداً؟ ماذا سيحدث لكل أعمالي الفنية؟ لقد شاهدت أعمالاً لفنانين كبار تتعرّض للإهمال والتلف أو حتى للضياع. لذلك كان لا بد من فعل شيء للحفاظ على إرثي الثقافي. لذلك، عملت على هذا المتحف/ المحترف أولاً كي أحافظ على أعمالي، وثانياً كي أشاركها أكثر مع الجميع» يسرّ ملاعب لـ «الأخبار». هذا الإرث الذي أراده الرسام اللبناني المعروف كان «تطبيقاً» لفكرةٍ يحبّها، لكنه أراد أيضاً أن يعرضها على طريقته الخاصة ويشارك بنفسه فيها: فهو جزءٌ من العرض، لا خارجه. نقل جميل ملاعب محترفه (حيث يرسم) إلى داخل المتحف بحد ذاته. هنا يصبح الرسام جزءاً من الحكاية بحد ذاتها: «أنا أرسم كي أشعر بأنني حي. الرسم هو من الأشياء التي تجعلني حياً، الفنون أصلاً تدفعك للحياة، ليس هناك من أحدٍ يحب الفنون ويكره الحياة، ويكره الخلق». يفتح ملاعب محترفه أمام الناس. لا يريد أن يكون هذا المحترف/ المعرض بعيداً عنهم، فهو «جزءٌ من حياة الناس ويومياتهم». اللوحات تتنوع بمقدار التجارب التي عرفها الرسام ومشاهداته ورحلاته الكثيرة في عواصم العالم. ماذا كان يريد من ذلك؟ ببساطة إنه «التنوع الذي يسكن حياة الناس في الأصل، فلماذا يكون المعرض مختلفاً، أردت المعرض شاهداً على ذكرياتي وتجاربي». هنا نجد لوحة بالأكريليك، وهناك أخرى بالغواش المادة التي يعشقها ملاعب فهي «حساسة، وألوانها صافية» بحسب قوله، وهنا «زيتيات متنوعة». مزيجٌ متناغم مع تناقل الفنان نفسه وتشعّب طريقته وحرفته. ولا يمكن بالتأكيد نسيان التماثيل والمنحوتات الخشبية والحجرية. النحت على الخشب تلك التقنية الخاصة التي استعملها ملاعب كي يخرج من داخله «أثر الحرب الأهلية» فكانت من خلال «استعماله القسوة المباشرة» في ذلك النحت وبهذه الطريقة.
لا يكتفي المحترف بأن يكون كذلك، فهو ببساطة استمرارية لأجيالٍ فنية من آل ملاعب، الوالد الفنان (عمل في مجال الدهان لكنه كان عازفاً على آلة الكلارينت) وجميل الرسام، وبالتأكيد الابن ريبال العازف (المتخرج من فيينا)، كلهم يصبحون بشكلٍ أو بآخر جزءاً من الإرث الثقافي للمنطقة. لكن هل المكان هو حدود ملاعب؟ فوجوده ولو داخل قريته سيحد من «رسمه» و»قدرته» على تجسيد بلادٍ وحضارات وعناوين أخرى، قد لا تكون موجودةً في قريته. لكن هو لديه نوعٌ من الإجابة الخاصة على هذا التساؤل: «بصراحة، المكان لم يعد مشكلةً بالنسبة لدي، يمكنني أن أكون في أي مكانٍ في العالم، وأن أرسم مكاناً آخر، أو أرسم المكان نفسه، ما بداخلي أصبح بداخلي، لا شك في أنّ لبيصور مكانة خاصة، ذلك أنها من أوائل الصور التي دخلت إلى عقلي قبل تشكّل الرسام بداخلي حتى. بالتأكيد إنَّ الصور الأخرى جاءت بعد ذلك؛ لكن الأيام والتجارب جعلتني قادراً على الغوص بشكلٍ أعمق كي أتحرر من حدود المكان والجغرافيا. مثلاً لدي لوحاتٍ كثيرة عن عواصم مختلفة، أعرضها هنا في المحترف، لن يكون هذا بالنسبة لي مشكلة أبداً».