صاحب «الكاتب الشبح» كان الحاضر ــ الغائب في الـ«برلينالي». ولم تستسلم الدورة الستون، التي ترأسها السينمائي فيرنر هيرتزوغ، لإغراءات مواضيع كالإسلام والإرهاب... بل توّجت التركي سميح قبلان أوغلو عن فيلمه «عسل»


برلين ـــ زياد عبد الله
أول من أمس، كان المزاج سينمائياً خالصاً في برلين، حيث أسدل الستار على المهرجان الشهير. لقد مُنحت جائزة «الدب الذهبي» (لأفضل فيلم) لمَن استحقّها فعلاً. إنّه «عسل»، جديد التركي سميح قبلان أوغلو. هكذا استسلم فيرنر هيرتزوغ وأعضاء لجنة تحكيم الدورة الستين من «مهرجان برلين السينمائي» لسحر الشريط التركي الذي يحكي ـــــ بلغة بصريّة ومشهديّة بديعة ـــــ قصّة الطفل يوسف (أداء مميّز لبورا أطلس) الذي يهمس في أذن والده يعقوب، ولا ينطق بحرف واحد مع غيره.
بلقطة طويلة، يبدأ فيلم أوغلو مصوّراً يعقوب الباحث عن العسل، ثم سرعان ما تفارقه الكاميرا وهو معلّق على غصن شجرة بين الأرض والسماء، لتمضي مع ابنه يوسف الذي يخبر والده بحلم رآه. يطلب منه والده أن يهمس به له، لأن الأحلام تهمس، وألا يخبر أحداً عن هذا الحلم. وبناءً عليه، لا يخاطب يوسف والده إلا همساً، ويرافقه في بحثه عن العسل. وحين يمضي إلى المدرسة، فإنه ينطلق برفقة النسر الذي يربّيه والده. في المدرسة، يعجز يوسف عن القراءة. إنه وحيد دائماً، لا يلعب ولا يجد حريته وفرحه إلا مع والده.
«عسل» الذي يستكمل فيه أوغلو ثلاثية بدأها بـ«حليب» ثم «بيض»، لا ينفصل عن منجز السينما التركية وحساسيتها، يُشغل باللقطات وعوالم يوسف الطفولية، من دون أن يبعده ذلك عن تقديم بانوراما بيئية واجتماعية للحياة المحيطة بالشخصيّات.
واللافت هذه المرّة أنّ نتائج الدورة الستين لم تنجر وراء مواضيع ساخنة حملتها أفلام المسابقة، وتناولت الإسلام في أوروبا مثلاً، ولا وراء ركاكة «البروباغندا» السياسية المقنَّعة التي حملها الفيلم الإيراني «الصياد» لرفيع بيتس. حضر الإسلام فاقعاً بوصفه موضوعاً في الفيلم الألماني «شهادة» لبرهان قرباني. يمضي الشريط خلف ثلاث شخصيات ألمانية من أصول تركية والصراعات التي يعيشونها بين الحياة الألمانية والقيم الإسلامية... لدينا سامي المواظب على الصلاة والصيام، ومشاعره الجنسية المثلية، ومريم التي تجهض، وهي ابنة رجل دين متنوّر يجد في الحب قيمة كبرى. لكنّ ابنته تنقلب عليه عبر تبنّيها مواقف متطرّفة، ومعهما إسماعيل ضابط الشرطة الذي يقف الحب حائلاً بينه وبين واجباته المهنية.
وفي السياق نفسه، لكن ضمن منحى مغاير، حضر الفيلم البوسني «على المعبر»، الذي يقارب موضوع التطرف على خلفيّة الحرب الصربية. يجد عمار في الإسلام الوهابي خلاصاً من الكحول، فيما حبيبته لونا مصرّة على نمط حياتها المتطرّف أيضاً في إفراطها في الكحول، ما يقف على نقيض مما صار إليه عمار.
أما «الدب الفضي» (الجائزة الكبرى للجنة التحكيم) الذي كان من نصيب الفيلم الروماني «إذا أردتُ أن أصفر.. سأصفر مرتين»، فقد استحقه المخرج فلورن سربان بجدارة، ومعه أيضاً جائزة «ألفريد باور» مؤسس البرلينالي. ولا شك في أنّ هذا التتويج يمثّل دفعة كبيرة لهذا المخرج الذي اتخذ من السجن مساحة لتقديم أحداث فيلمه، معتمداً على السجناء أنفسهم، وعلى الشخصية الرئيسية التي جسدها جورج بيستيرونو.
الفيلم الروسي «كيف أنهيتُ هذا الصيف» لألكسي بوبوغريبسكي، الذي نال جائزة أفضل تمثيل لكل من غريغوري دوبريغين وسيرغي بوسكيباليس، حمل عوالمه الخاصة. إذ يمضي إلى النائي والبعيد، متعقّباً حياة رجلين في مرصد جوي في أبعد نقطة في الكون، وبالتأكيد ستكون في القطب الشمالي. هنا، تصنع الدراما في هذا الفيلم من خلال نشوء تصارع بين الرجلين يأتي من جهات عدة، سواء كانت متعلقة بالبيئة المحيطة أو العزلة، أو تباين العمر بين الرجلين. هذه المجاورة تحكي قصّة جيلين: الأول عاش كل شيء على حقيقته، صارع وحارب وناضل، والجيل الثاني الذي يمثله الشاب، هو جيل غير مبال، يعيش حياة افتراضية، إما من خلال سماعتين في أذنيه أو لعبه على الكمبيوتر. الفيلم غني جداً. لحظة الصراع بين الرجلين تقوده إلى تصعيد مدروس بعناية. والبيئة تحضر بتفاصيلها، فنعيش الثلوج والبحر والعزلة وصوت الريح بدقة مفرطة.
وهذا الفيلم الروسي هو ثالث أهم الأعمال التي حملتها المسابقة، ما يؤكّد لنا أن الجوائز جاءت مفرطة في دقتها وحساسيتها. وهو الأمر الذي يمتد طبعاً ليطال رومان بولانسكي نفسه الذي خيّم طيفه بقوّة على المهرجان. حاز صاحب «شايناتاون» «وطفل روزماري» الأسد الفضّي (جائزة أفضل مخرج) عن فيلمه «الكاتب الشبح». وهكذا يكون السينمائي البولوني قد حصل على دعم كبير في قضية التحرّش الجنسي التي تلاحقه منذ عام 1977، والتي ما زال مُحتجزاً قيد الإقامة الجبرية في سويسرا بسببها. مساعد منتج


جائزة التمثيل لغريغوري دوبريغين وسيرغي بوسكيباليس

الفيلم ألان ساردر تسلّم الجائزة عن بولانسكي، قائلاً: «عندما عبّرت عن أسفي لأنّه لن يكون معنا، قال لي: حتى لو كنت أستطيع، لما حضرت... لأنني في آخر مرة ذهبت فيها إلى مهرجان للحصول على جائزة، انتهى بي الأمر في السجن!» في إشارة إلى اعتقاله الحالي، إذ ألقي القبض على صاحب «عازف البيانو» عند وصوله إلى سويسرا، لتسلّم جائزة من «مهرجان زوريخ السينمائي».
«الكاتب الخفي» دراما سياسية مشوّقة ومحكمة، تتخذ موضوعها من رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير، وفضيحته المتعلقة بالحرب على الإرهاب. أما الفيلم الياباني «فراشة»، فحصلت بطلته شينوبو تيراجيما على جائزة أفضل ممثلة، هي التي تجسد شخصية زوجة رجل عائد من الحرب، من دون ذراعين وساقين... وقد أطلق عليه لقب «إله الحرب» بعدما نال وساماً بهذا المسمّى من الإمبراطور. ولعل الفيلم الذي أخرجه كوجي واكاماتسو هو هجائية كبرى للحرب، لم تخل من ارتباك في أكثر من موضع، علماً بأن الشريط اعتمد على بنية مسرحية إلى حد بعيد. والأمر نفسه ينطبق على فيلم الافتتاح «منفصلان معاً» للصيني وانغ كوانان الذي نال جائزة أفضل سيناريو.