تونس ــ حسّونة المصباحي

حين توفي ألبير كامو في حادث سيارة عبثي وهو في طريقه إلى باريس، بصحبة ناشره غاستون غاليمار، في 4 كانون الثاني (يناير) 1960، كان في السابعة والأربعين. طيلة العقود الخمسة التي مرت على رحيله، بقيت رواياته تباع بملايين النسخ، ومسرحياته تعرض على خشبات العالم. أمّا كتاباته المناهضة للعنف الثوري، فكانت توزع سرياً في عواصم وجامعات أوروبا الشرقية خلال الحقبة السوفياتية. في هذا السياق، كتب جان دانيال (مؤسس «نوفيل أوبسرفاتور») مرّةً يسأل: «لماذا كان مثقفو الاتحاد السوفياتي يفضلون كامو على تعاليم ريمون آرون المناهضة للماركسية؟». يجيب دانيال: «لأن كامو عرف البؤس، وناصر المقاومة ضد النازية، وكتب عن العنف والشر. ثم إن مثقفي البلدان الشرقية كانوا متمردين، وكانوا يخشون الثورة، فيما كان تقديس الثورة والتاريخ في قلب مشاغل كامو وهمومه الفكرية والفلسفية. إن هذا الرجل الذي كان يفكر مثل مونتاني، ويكتب مثل باسكال، ويعيش شك العصر الحديث، قدم لنا احتمال تمرد مقبول ومعقول». في ذلك الحادث الأليم، وُجدت مع الأديب الشاب مخطوطة رواية بعنوان «الرجل الأول»، تعبق بملامح من سيرته الذاتية. ولد صاحب «كاليغولا» في 7 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1913 في الطارف (عُرفت خلال الاحتلال الفرنسي بمندوفي) القريبة من الحدود الجزائرية التونسية، لأمّ من أصول إسبانية، شبه بكماء وأميّة. لهذه الوالدة، أهدى «الرجل الأول» وكتب: «إليك أنت التي لن تستطيع أبداً قراءة هذا الكتاب». أما والده لوسيان كامو فقد قتل في بداية الحرب العالميّة الأولى، جنديّاً في الجيش الفرنسي. في الفصل الأول من الرواية التي صدرت عن «دار غاليمار» عام 1994، غير مكتملة كما تركها ـــــ بجهد ابنته كاترين ـــــ يروي كامو وصول والده إلى الجزائر، وسفره إلى الطارف في عربة قديمة مصحوباً مع زوجته الحامل وعربي استقبله في مدينة عنابة. عند وصولهم إلى القرية، شعرت زوجته بأوجاع المخاض، فهرع بحثاً عن طبيب. في تلك الليلة، ولد جاك كورموري ـــــ صنو كامو الروائيّ ـــــ الذي ينتقل مع أمّه بعد وفاة والده للعيش مع جدته في أحد أحياء العاصمة الجزائريّة الشعبيّة.
يروي كامو أيضاً زيارة الابن ضريح والده في مقبرة «سان بريوك» في شمال فرنسا، حيث ووري الأب في الثرى قبل 40 عاماً. في ظهيرة يوم ربيعي، يصل إلى هناك، لينتبه إلى أنّ والده في الرواية هنري كورموري، مات في سن أصغر من سنّه الآن. عندها، تغمر قلبه موجة حنان وشفقة تجاه ذلك الجندي الذي قتل في ربيع العمر، خلال حرب لم يكن يفقه أسبابها. في تلك اللحظة، يتعطل في ذهنه التسلسل الزمني للأحداث، ويضيع في دوامة السنوات. يتأمل مذهولاً وحزيناً تلك المقبرة المليئة بجثث جنود قضوا في ريعان الشباب، فيما بدأ الشيب يغزو رؤوس أبنائهم الآن. يكتب: «لم يعد قلبي الآن إلا ذلك القلب المتوجّس الشره للحياة والمتمرد على النظام القاتل للعالم».
في «الرجل الأول» يحكي كامو أيضاً طفولته المعذبة، وألعابه مع أطفال الحي، وجدّته القاسية التي كانت تعنّفه حين يشاكس. يحكي ارتياده للمدرسة الثانوية في «باب الواد» عام 1924، وعشقه للبحر الذي خصّه بنصوص رائعة في كتابه «أعراس»، وتردّده على مكتبة خاله الجزار. في تلك المكتبة الغنيّة، يقع على «قوت الأرض» لأندريه جيد، ويتأثر بشاعرية صاحبها ونفَسه الغنائي البديع.
خلال شبابه، أصيب كامو بالسل، ما منعه من مواصلة هوايته في كرة القدم، ولم يمنعه من مواصلة تحصيله برعاية جان غرونييه، أستاذه في مادة الفلسفة. هكذا، كتب نصوصه الأولى التي تضمّنت أفكاراً فلسفية عميقة طوّرها في إنجازاته اللاحقة، إضافةً إلى بعض مسرحياته. ثمّ عمل في صحيفة Alger Républicain قبل أن يستقرّ أواخر الثلاثينيات في باريس، ويكتب خلال سنوات الحرب العالميّة الثانية أعمالاً صنعت شهرته، من رواية «الغريب» إلى مسرحيّة «كاليغولا» وبحثه الفلسفي المرجعي «أسطورة سيزيف»، إضافةً إلى انضمامه إلى صفوف المقاومة ضدّ النازيّة، وكتابته «رسالة إلى صديق ألماني».
خلال الأربعينيات، تكرّس كامو كأحد أشهر الأدباء الفرنسيين على المستوى العالمي، وبقي كذلك رغم وفاته المبكرة. حتّى ذلك الحين، كانت كلّ ثوراته قد «أضيئت بالنور»، كما كتب هو بنفسه. أما الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري فيقول عن صاحب «الغريب»: «لقد انتقد كامو بحدّة الرأسمالية وانعدام الإنسانية في سياسات اليمين كما في سياسات اليسار، وقال لنا إنّ العدالة من دون حرية تقود إلى الديكتاتورية، والحرية من دون عدالة تؤدي إلى قانون الغاب».