غازي قهوجي رفيق عمر من أربعين سنة. كان شاباً مليئاً بالنشاط حتى لتحسب أنّه عشرة رجال. أحببته منذ يفاعتنا، لثقافته المميزة المتنوعة في كل أشكالها، ولطرافة الجلوس معه، حيث نكتة إثر نكتة، وحكاية بعد حكاية. كان يجلونا من داخل بتفاؤله وحبه للحياة. وإذا جاء الجد، فلا تسأله عن بيت شعر حتى يقول لك من صاحبه. وأظن أنّه كان يحفظ أكثر من مئة ألف بيت من الشعر، ولكل مقام مقال. حبّوب ومحبّ ولم تكن الابتسامة تفارق وجهه الصبوح.


كان جاري، بيته على بعد خطوات من بيتي. كنا دائماً وكل يوم نجلس معاً في مقهى «السيتي كافيه» المأسوف عليه أيضاً. كان يجمعنا وراء طاولاته، فلا نملّ من بعضنا في رحابة هذا المقهى الذي خسرناه وخسرنا التلاقي فيه.
كنت على اتصال دائم بغازي، وربما كل يوم أو يومين. لم يكن يتحدث عن مرضه. وكنا نتحاشى سؤاله عنه طالما أنّه لا يريد الحديث فيه... وكنت أنتبه جزئياً إلى ضموره يوماً بعد يوم، فأخاف أن أساله لأسمع منه خبراً يؤلمني. كان وسيماً وأنيقاً على الدوام، ويقبل على الحياة بهدوء رجل العلم، بل لأقل رجل الدين لكثرة شفافيته ورقته. كان عنده لكل سؤال جواب. أهتف له لأسأله عن مشكلة ما، أو قضية أدبية، فكان جوابه دوماً على رأس لسانه كما يقولون. سريع البديهة، سريع السخرية، ولا أحد يصدّق أنّه نشر ثلاثة كتب متسلسلة بعنوان «قهوجيات» كلّها سخرية بارعة من كل شيء، من الأوطان، من الناس، من الفنون، كل الفنون، من الآداب، كل الآداب، بمعرفة كل شيء وتحويل كل شيء إلى ضحك. كان يضحك من كل قلبه على مآسينا، معلّقاً: «بعد ما شفتو شي». وها نحن الآن، «شفنا» البعض مما توقعه غازي. كان يتنبأ بالكثير ولا يقول لنا إلا القليل.
كان محبوباً من الجميع حتى جيرانه والسوبرماركت الصغير لصق بيته. كنت أجيء إلى السيد فريد صاحب المحل لأسأله عن غازي، فيبادرني أنّه سأل عنك. كان حنوناً حنون الأم، وعطوفاً عطف الأب. وفي الحقيقة، رغم أنّني أكبر منه بعشر سنوات، لكني كنت أشعر وأنا أجلس إليه أنني التلميذ وأنه الأب. يكتشف الخطأ من نظرة، وينتبه إلى الصح في الشعر أو القصة أو المقالة، فيفرح معلّقاً: «ما زلنا بخير».
كنت شخصياً أحبه وأتآلف معه، بل كنت أستدرجه إلى الكلام لأنّ الكلام الذي يتحدث فيه، فيه صفوة الكلمة المنتقاة من غير قصد.
لم أصدّق، ولا أستطيع أن أصدّق أنّه رحل بغفوة منا، أو بشكل سري، عافياً الحياة الظالمة المستبدة، الكارهة للخلق.
كيف شاب بهذا العمر يجيء الموت بعباءته السوداء الفضفاضة ويأخذه منا؟ أليس هذا منتهى الظلم؟
كنا بحاجة إليه وما زلنا. وأنا شخصياً بحاجة إليه، إليه دائماً، بحاجة إليه في كل شيء، كنت بوجوده كصديق غنياً، وأنا الآن أصبحت فقيراً، فكيف لي أن أعثر على بديل له؟ هذا في رابع المستحيلات.
يا غازي الحبيب
وكما يقول المقدس: أنتم السابقون ونحن اللاحقون. وقال عمر بن الخطاب: الموت باب كل منّا عابره. وما نحن في الحقيقة إلا سكان بيوت تجاور المقابر.
* روائي سوري