نصف قرن من عمر السينما في لبنان يخرج من أرشيف عبودي أبو جودة (1958)، الى صفحات كتاب «هذا المساء – السينما في لبنان 1929 ــ 1979». خمسون عاماً جمع خلالها أبو جودة ملصقات الأفلام، ولملم أجزاء ذاكرة الفن السابع في لبنان.

عالم السينما يتسّع للجميع. الكلّ يسهم ويشارك في نجاح الفيلم ونجاح الصناعة، وحتى تأريخ إنتاجاتها: المنتج، الموزّع، التقني، المخرج، الناقد والممثل، حتى المشاهد. صاحب «دار الفرات» واحد من المشاهدين الذين بهرتهم الشاشة الكبيرة ونجومها. في سنّه السابعة عشر، بدأ بجمع الملصق الذي يحمل صور أبطال أفلامه الأميركية، شجعته الخطوات الأولى على جمع عدد أكبر، وانطلقت رحلة بحث في لبنان والعالم العربي عن الأفيشات، أدرك خلالها أبو جودة القيمة الفنية التي يحملها الملصق، والجهد والوقت الذي يستهلكه، وأهميته في التسويق للفيلم واستقطاب الناس، ثمّ كيف تحوّلت صناعته لاحقاً مع تطوّر وسائل الطباعة.
من الهواية إلى الكتاب، هكذا يقدّم كتابه «هذا المساء». عن ردة فعله الأولى بعد رؤية كتابه مطبوعاً، يقول: «شعرت بالارتياح. أخيراً أشعر أني سأترك شيئاً لمن لم يعرف هذه الحقبة من السينما، وأيضاً، لمن شهد هذه الحقبة ويشعر بحنين لأيامها وأفلامها». «هذا المساء» هو عنوان كل أمسية احتشد فيها محبّو ومتابعو الأفلام الجديدة في الصالات. تكاد السينما أن تكون وسيلة الترفيه الأهم لدى العامة آنذاك، يضيف أبو جودة: «الأفيش كان الوسيلة الأولى والوحيدة للإعلان عن الفيلم. كان الأفيش يسبق عرض الفيلم بشهر أو أكثر، ويملأ الشوارع والصالات. كان الإنتاج زخماً، لأن سوق الأفلام كان رائجاً خاصة في الستينات». كانت الملصقات تملأ جدران ساحة البرج وتزيّن أبواب صالاتها السينمائية، حيث تضاء فوقها عبارة «هذا المساء». أكثر من بعد يقدّمه كتاب «هذا المساء»: أولاً الأفيش بوصفه «فنّا شعبياً» كما يصفه أبو جودة، وثانياً، الذاكرة السينمائية للأفلام التي صنعت في لبنان من عام 1929 الى 1979، أي التي شارك في إنتاجها أو أنتجها لبنانيون، مع استعادة لأهم الوجوه اللبنانية والعربية في التمثيل والغناء، كإحسان صادق، قمر، فريد شوقي، صباح، سميرة توفيق، محمد سلمان... وثالثاً استعادة الوجه الاجتماعي للبنان وبيروت آنذاك، إذ عكس الأفيش هامش الحرية والانفتاح، وغياب الرقابة في لبنان، مقارنة بالمجتمعات العربية. يذكّر أبو جودة بـ «أنّ الأفيشات التي كانت تطبع لتسويق الفيلم في العالم العربي، كانت مختلفة ومحتشمة، لا قُبل، لا عري، ولا لقطات حميمية، بل إنّ بعض الملصقات تعرّض للتشويه الكامل قبل إعادة طبعها وتوزيعها».

عكس الأفيش هامش الحرية والانفتاح وغياب الرقابة في لبنان

لماذا توقف الكتاب عند أفلام عام 1979، علماً بأن غرفة أبو جودة الصغيرة تحتوي أكثر بكثير؟ يجيب «لأن بعد هذا العام، ظهر خط سينمائي جديد في الصناعة والمضمون، مع أعمال برهان علوية ومارون بغدادي الذي كان قد ظهر فيلمه الأول «بيروت يا بيروت» عام 1975... وليس للحرب علاقة، لأن الأعمال السينمائية استمرت». لا يفضّل أبو جودة تصنيف الأفلام على أساس قبل الحرب وبعدها. ويضيف أنّ ما تناوله الكتاب من أعمال حتى عام 1979، متجانس تقريباً من حيث النوعية، إذ كانت الأفلام بحسب طلب السوق، وقليلة هي التي قدمت مواضيع مهمة أو عميقة، بالإضافة إلى أن تصميم الملصق سيشهد تغييراً جذرياً في ما بعد.
إلى جانب الملصقات، يتضمّن الكتاب صوراً فوتوغرافية من جلسات التصوير وأرشيفاً صحافياً مطبوعاً، لمقالات تناولت الأفلام التي عرضت آنذاك، وفصلاً عن الأفلام الأجنبية التي صوّرت في لبنان. كما يستهلّ أبو جودة الكتاب بنبذة عن تاريخ السينما اللبنانية، بدءاً من المحاولة الأولى عام 1929، إلى جانب مقال «حياة الفيلم في مادته المطبوعة» للباحثة والأكاديمية زينة معاصري صاحبة كتاب «ملامح النزاع: الملصقات السياسية للحرب الأهلية اللبنانية».
اليوم، يعرض عبودي أبو جودة مجموعة من ملصقاته في «متروبوليس أمبير صوفيل»، ويجيب في جلسة تقام عند الرابعة من بعد الظهر على أسئلة حول الكتاب بإدارة المنتج ومدير البرمجة العربية في «مهرجان دبي السينمائي الدولي» أنطوان خليفة.
لقاء ومعرض حول كتاب عبّودي أبو جودة «هذا المساء ـــ السينما في لبنان 1929 – 1979»: 16:00 بعد ظهر اليوم ـــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية) ـــ للاستعلام: 01/332661.
* في مناسبة احتفالات نهاية السنة، تعرض «جمعية متروبوليس» اليوم وحتى مساء الغد بين الثانية بعد الظهر والثامنة مساءً، مجموعة من ملصقات أفلام دولية عُرضت على مدار السنين الأخيرة على شاشة «متروبوليس». كما سيتوفر للمهتمين مجموعة من الأفلام والألبومات الموسيقية قامت شركة «أم. سي. للتوزيع» بتوزيعها في لبنان أخيراً، مثل فيلم إليان الراهب «ليالي بلا نوم»، والألبوم الثالث لفرقة مشروع ليلى «ابن الليل». وسيكون للجمهور فرصة لقاء أعضاء «مشروع ليلى» غداً عند السادسة مساءً في سينما «متروبوليس أمبير صوفيل» حيث سيوقّعون ألبومهم الجديد.