هكذا تبعثرت كنوز محمد مكيّة في مزادات لندن


العام الماضي، رحل محمد مكيّة (1914 ـــ 2015)، أشهر المعماريين في تاريخ العراق الحديث الذي ارتبط اسمه بالمحاولات الحقيقية للتجديد في فن العمارة المغيّب بين إبداعات الثقافة العراقية. ترك وراءه مكتبة موسوعيّة تتضمّن عدداً هائلاً من المخطوطات والكتب عن الثقافة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وعلاقة المنطقتين بأوروبا. تعكس المحتويات شغف مكيّة بالفن والعمارة الإسلامية، وشغف زوجته بالمسافرين الأوروبيين (النساء تحديداً) إلى الشرق الأوسط. إنّها مكتبة غنيّة بالكتب والمخطوطات التي تتناول الفن، والتصميم، والأركيولوجيا، والعمارة، والسفر، والتاريخ، والأدب.
بدلاً من المحافظة عليه أو بيعه في العراق حيث تستمر حفلات النهب منذ الغزو الأميركي في 2003، وصل مضمون هذه المكتبة أخيراً إلى دارَي مزادات «كريستيز» و«سوذبيز» اللندنيتين، حيث حقّقت المعروضات أسعاراً مذهلة، لا تتناسب في أحيان كثيرة وقيمة القطع. في 18 نيسان (أبريل) الحالي، عرضت دار «كريستيز» مخطوطات إسلامية قديمة تعود إلى محمد مكيّة، وصل إجمالي سعرها إلى ما يزيد على مليون و400 ألف جنيه إسترليني (أكثر من مليوني دولار أميركي)، تتضمّن القرآن وكتباً إسلامية دينية وعلمية، أهمّها «الدر المنظم في السر الأعظم» لابن أبي طلحة الشافعي (القرن الـ 15)، و«فتوح الحرمين» لمحيي لاري (القرن الـ 19)، وكتاب يحكي قصة الإسلام الأولى من خلال شخصية الإمام علي ابن أبي طالب (القرن الـ 19). علماً بأنّ مكتبة مكيّة تضم مثلاً مخطوطة لكتاب «حكمة العين» لنجم الدين أبو الحسن أبو المعالي علي بن عمر الشافعي القزويني، ونسخة من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا بن محمد القزويني (القرن الـ 17)، و«منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان» ليحيى بن عيسى بن ِجِزلة (القرن الـ 13)، و«دلائل الخيرات» لمحمد بن سليمان الجزولي (القرن الـ 19)، إلى جانب مخطوطات فريدة للقرآن منها نسخة تركية (القرن الـ 19)، وأخرى هندية (القرن الـ 18) وثالثة فارسية (القرن الـ 15 والـ 16).

فرّط كنعان مكيّة بإرث والده الذي بيع على مرحلتين

في اليوم التالي (19 نيسان)، عرضت دار «سوذبيز» في العاصمة البريطانية جزءاً آخر من المكتبة نفسها، يتركّز معظمه على كتب العمارة الإسلامية، حقق مجموع 2,691,105 جنيهات إسترلينية.
ما حصل في هذا المزاد يعطي صورة فاقعة عن «السذاجة» المستشرية في هذه المناسبات، باستثناء مبلغ الـ 118,750 جنيهاً إسترلينياً الذي حققته أهم المجموعات المعروضة وحملت الرقم 57. هذه المجموعة بعنوان Coste للرسّام والمستشرق الفرنسي باسكال كزافييه، وهي عبارة عن 42 رسماً معمارياً وطوبوغرافياً عن القاهرة. في المقابل، حققت مجموعة من الكتب تحمل الرقم 110 مبلغ 317 ألف جنيه إسترليني، رغم أنّها عادية جداً، وتتألّف من 229 جزءاً حول العراق من العصور القديمة حتى الحاضر. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المجموعتين 250 و251 اللتين تحملان توقيع روبرت وود. الأولى تتألّف من رسوم عن آثار تدمر بعنوان «آثار تدمر في الصحراء» (لندن، 1753 ــ بيعت لقاء 52 ألف جنيه إسترليني)، والثانية رسوم تصوّر بعلبك بعنوان «آثار بعلبك في سوريا الجوفاء» (لندن، 1757 ــ بيعت لقاء 27 ألف جنيه إسترليني). الأموال التي صُرفت للفوز بهاتين المجموعتين لا تمت إلى الواقعية بصلة. بزيارة بسيطة لموقع كـ www.abebooks.com، سنقع على نسخ متوافرة بمبالغ أقل بكثير.
هكذا، يكون مجموع المبيعات في المزادين 4,091,105 جنيهات إسترلينية. صحيح أنّ من حق أيّ كان اقتناء القطع الفنية التي يريد، ودفع المبالغ التي تناسبه، غير أنّه بحسب أحد جامعي الآثار والمخطوطات الذي رفض الإفصاح عن اسمه، يجب «إجراء بعض الأبحاث حول المعروضات كحد أدنى، أو استشارة خبراء قبل المضاربة»، مؤكداً أنّ من صرفوا المبالغ الهائلة والساذجة هذه المرّة «هم من المتموّلين العرب، ولا سيّما العراقيون». ويوضح هذا الشخص أنّ هذه الظاهرة ليست جديدة إطلاقاً، غير أنّها تتزايد في الفترة الأخيرة، في ظل تعمّد القائمين على المزادات (خصوصاً في لندن) على إرسال كتالوغاتهم الفاخرة والمثيرة إلى الشرق الأوسط والخليج لجذب أصحاب الثروات.
أمام هاتين المحطتين البارزتين، يتبادر إلى الأذهان سؤال عن كيفية وصول محتويات هذه المكتبة الثمينة إلى المزادات العالمية. الجواب بديهي طبعاً، خصوصاً لمن يعرف من هو نجل محمد مكيّة. كنعان مكيّة (1949) معماري وأكاديمي عراقي مولود في بغداد، على صلة وثيقة بإسرائيل والصهاينة في الغرب، إلى درجة أنّه حاز دكتوراه فخريّة من جامعة «تل أبيب» في عام 2003، قبل أن يحصل على أخرى في عام 2007 من «الجامعة العبرية في القدس». كان مكيّة الابن من أبرز ممثلي المعارضة العراقية في المنفى، وكان يدعو إلى غزو أميركي برّي، وإلى مواصلة قصف بغداد من قبل القوّات الأميركية، كذلك هاجم كل معارضي الغزو الأميركي، بمن فيهم المفكّر الراحل إدوارد سعيد. يُعَدّ الأخير من أبرز منتقدي مكيّة، فقد سبق له أن قال إنّه كان «تروتسكياً في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، قبل أن ينتقل إلى موقع آخر ليتربّح من بناء عمارات لمصلحة صدّام حسين». بناءً على تاريخ كنعان مكيّة، يؤكد مراقبون أنّه «باع إرث والده لقاء المال».
تبعت هذين المزادين نشاطات أخرى؛ في 20 نيسان، شهدت «سوذبيز» مزاداً لبيع قطع فنية من الشرق الأوسط تعود إلى القرن العشرين، محرزاً أكثر من مليونين و48 ألف جنيه إسترليني. أوّل من أمس، كان الموعد في «كريستيز» مع مزاد لـ «الفن في العالمين الإسلامي والهندي» جرى الجزء الثاني منه أمس في المكان نفسه. أمس أيضاً، احتضنت هذه الدار مزاداً ضم صوراً فوتوغرافية ووثائق متعلقة بفلسطين، تمكنت بدورها من تحقيق أرقام مبالغ فيها.
لا يمكن التطرّق إلى المزادات المرتبطة بمنطقتنا من دون تسليط الضوء على مزاد فريد من نوعه ستشهده دار «بونهامز» اللندنية في 27 نيسان، للمرّة الأولى. يحتوي «الفن اللبناني» (The Art of Lebanon) على عدد من اللوحات المنتمية إلى بداية ظهور الفن اللبناني الحديث، وصولاً إلى المعاصر، وهي لأسماء معروفة مثل جبران خليل جبران، خليل صليبي، صليبا الدويهي، داود القرم، ميشال بصبوص، خليل زغيب، سلوى روضة شقير، عمر الأنسي، أيمن بعلبكي، وغيرهم.




النهب ماشي
في القرن العشرين، كان لبنان وسوريا محطّ اهتمام الفرنسيين، وحُسم الوضع في العراق لمصلحة البريطانيين بعد هزيمة ألمانيا في الحربين العالميتين. لكن هذه العمليات تسارعت بنحو ملحوظ أخيراً في المنطقة، حيث الخضات السياسية والأمنية. هذا ما يحدث في اليمن وسوريا اليوم، وقبلهما العراق الذي يُعد نموذجاً صارخاً. بعد الاحتلال الأميركي، شهدت بلاد الرافدين عمليات نهب منظّمة على مختلف الصعد. في ظل استمرار الحرب السورية، يشكّل لبنان حلقة وصل رئيسية بين سارقي الآثار والمخطوطات والكتب وبين السوق العالمية، فيما يلعب بعض التجّار اللبنانيين دوراً أساسياً في إدخال المسروقات إلى البلاد، والإعداد لنقلها إلى الأسواق الأوروبية والأميركية. سهولة النقل مفهومة طبعاً في بلد يضرب الفساد كلّ مفاصله. بناءً على هذه القاعدة، يصبح إدخال مئات المسروقات وخروجها بسهولة أمراً «طبيعياً». وسبق لبعض جامعي الآثار أن أكدوا لـ «الأخبار» أنّ التجار اللبنانيين «يتفوّقون على الأتراك في نقل وبيع الآثار السورية المنهوبة مثلاً. ولفت هؤلاء في الوقت نفسه إلى أنّه يجري الحصول على مخطوطات من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي «بطرق ملتوية وبأسعار زهيدة جداً»، مذكّراً باحتواء مكتبات في الفاتيكان ولندن وهولندا وإيرلندا على «أندر المخطوطات الإسلامية: العربية والتركية والفارسية...».