13 فيلماً من برمجة «مهرجان كان السينمائي 2015» وصلت أخيراً إلى «متروبوليس أمبير صوفيل» ليستمر عرضها حتى 4 أيار (مايو) المقبل. بعدها بأسبوع، تنطلق النسخة الجديدة من الحدث السينمائي الأبرز على سطح الكوكب. إنّه نوع من الإحماء الضروري، أو الوداع الأخير مع أحدث أفلام ناني موريتي، وجاك أوديار، وماتيو غارون، وهو هاو – سيان، وفيليب فوكون، ويورغوس لانتيموس، وأليس وينوكور، ولوي غاريل، وداليبور ماتانيتش، وكورنيليو بورومبو، ولازلو نيميس، وإيدا باناهانديه، إلى جانب الفيلم اللبناني القصير «موج 98» لإيلي داغر الحائز السعفة الذهبية للفيلم القصير.
يشرّح يورغوس لانتيموس مجتمعات «الأزمنة الحديثة» ببرود لا يخلو من قسوة

لنبدأ بفرسان الجوائز. من البديهي عرض فيلم السعفة التي منحها الأخوان كوين لـ «ديبان» (100 د ــــ 26/4 ــ 28/4 ـــ 2/5 ـ س:22:00) جاك أوديار. السينمائي الفرنسي صاحب سجل لامع بعناوين مثل «اقرأ شفاهي» (2001) و«نبي» (2009) و«عن الصدأ والعظام» (2012). في جديده، يرافق «ديبان» في رحلة لجوئه من سريلانكا إلى فرنسا، مستعيراً عائلة لا يعرفها لإخفاء حقيقته. هو أحد مقاتلي «نمور التاميل» الذين خاضوا حرباً انفصالية شرسة من دون جدوى. الماضي الدموي يخيّم على الحياة الجديدة، التي لا تبدو مثاليةً كما يروّج عن النعيم الأوروبي. عصابات ضواحي باريس لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها في الديار. المأساة ماثلة مع جرعات من العنف والعنصريّة والتفتت. ولكن مهلاً، أوديار ليس في أفضل حالاته هنا. براعته في صوغ علاقة الفرد بنفسه قبل الآخر والعالم ليست باللمعان المعتاد. قدرته على الإقناع الدرامي والإتيان بالجديد قابلة للخلخلة والسؤال. البنية الباهتة تفترس السينماتوغرافيا الجيّدة والأداء الأصيل بلغة التاميل. لا يفوتنا أنّ الفيلم لم ينطلق إلى الآفاق المتوقعة بعد جائزة رفيعة بحجم سعفة الذهب.
من «دراما اللجوء» إلى «دراما الهولوكوست»، يأتي شريط مدهش هو «ابن شاؤول» (107 د ـــ 25/4 ـــ 30/4 ـــ 1/5) للازلو نيميس. نعم، إنّه فيلم 2015 بجدارة. رهان المدير الفنّي للمهرجان تيري فريمو في محله. السينمائي المجري يبهرنا بسينما حادّة، صلدة، رثّة، تبصق في الوجه من دون مقدّمات. الفيلم قليل التكلفة وعدد أيام التصوير (28 يوماً)، يفتك بالجائزة الكبرى، قبل أن يخطف الغولدن وغلوب وأوسكار أفضل فيلم أجنبي. نحن في معتقل «أوشفيتز» الرهيب عام 1944. شاؤول أحد أفراد الـ «سوندركوماندوز»، أي اليهود المكلّفين التخلص من الجثث المحترقة في الأفران. يعثر على جثّة «ابنه»، فيبدأ رحلة البحث عن حاخام يصلّي عليه. الفاجعة وقعت، ولكن الهدف جعلها أكثر عدلاً واحتراماً. في الجحيم المقيم، ثمّة فرق بين موت وآخر، وبين التلوّي ألماً والرحيل بصمت. محموم هو طواف شاؤول الملعون حياً وميتاً. أيّ حمل ستلقيه هذه المهنة على كتفيه، حتى لو نجا من مستنقع الجثث وأكوام اللحم؟ الكاميرا تتبعه طوال الوقت، ناقلةً الكابوس والهواء الموبوء. اللون هو تماماً نتاج الاختلاط بين ألسنة اللهب واللحم الحيّ. العنف غير مرئي، لكن أصوات الرعب وما يتسرّب من «آوت فوكس» العدسة كفيل بخلق جاثوم دائم. هذه نفس أسلوبية نيميس في فيلمه القصير الأول «مع قليل من الصبر» (2007ـــ 14 د.)، إذ نبقى مع موظفة في نهار عملها المعتاد. تلقي نظرة من النافذة، لترى جزءاً من فظائع النازيين بحق اليهود. «ابن شاؤول» يسير على خطى «المنطقة الرمادية» (2001) لتيم بلايك نيلسون، القائم على شهادة طبيب يهودي أجبر على العمل في المعتقل. كذلك، انسلّ الوحي من تحفة الروسي إليم كليموف «تعالَ وشاهد» (1985)، عن المجازر النازيّة وسط الثلوج. أصلاً، جاءت الفكرة من كتاب «مخطوطات أوشفيتز»، الذي اكتشفه نيميس في أثناء عمله مساعداً لبيلا تار في «رجل من لندن» (2007). قوّة «ابن شاؤول» في جرأته على البقاء مع ضحايا أفران الغاز، لا مع الناجين منها... في تطاوله على أفلام المحرقة العاطفية مثل «قائمة تشاندلر» (1993) لستيفن سبيلبيرغ و«الحياة جميلة» (1997) لروبرتو بينيني، متسلحاً بالبشاعة كوسيط لا يخطئ. الكادر الجميل خرافة في مثل هذه المواضيع. للقبح أن يتجمّل، مع ابتسامة لا تُنسَى على وجه مقيت.
السينما اللبنانية تحضر مكلّلة بإنجاز عربي غير مسبوق: السعفة الذهبيّة للفيلم القصير لإيلي داغر عن «موج 98» (15 د ــــ طوال أيام المهرجان). متخرِّج جامعة «ألبا»، يتأمّل بيروت الراهن والهويّة والجغرافيا. يلجأ إلى التحريك، مازجاً بين الرسم واللقطات الحيّة، لخلق رؤية مختلفة، لا تركن للسائد والمتاح. عمر قد يكون أنا أخرى للمخرج الشاب. هو شاب مكتئب يسمع أخباراً مكرورة على التلفزيون، ويرمق عاصمته بكثير من التشاؤم. وسط العمران العشوائي والإسمنت القابض على الروح، يُباغَت بمخلوق أسطوري ينقله إلى عالم موازٍ أكثر راحة وفرحاً. يتعرّف إلى معاني التحرّر والانعتاق والبحث عن الذات. أسئلة الانتماء والمعنى الحقيقي للمكان تنكشف تلقائياً، لتحيل على بحار أعمق (الدولة، الكيان، الحريّة، الفرد...). الصنعة المتقنة تجعل من هذا الأنيماشن خبراً ساراً لأيّ سينيفيلي. الصيني هاو ساو سيين أحد كبار بلده. «القاتلة» (4/5 ــــ س:22:00) سابع فيلم ينافس على السعفة في تاريخ المهرجان، ليخرج بجائزة أفضل مخرج. الحكاية السطحية تدور حول فتاة تضطلع بمهمة اغتيال حسّاسة في صين القرن السابع. ثمّة أساليب قتال وطبيعة وسيوف أقل حدّة من ماضي عائلة وعشق. الشريط يكشف طبقاته نحو دراما من العيار الثقيل. أسلوبيّة المعلّم التايواني حاضرة مع جماليات حاذقة وسينماتوغرافيا تخطف الأنفاس. لا شكّ في أنّ «القاتلة» نصيحة لا تفوّت في هذا الحدث.
اليوناني الشهير يورغوس لانتيموس يقترح جديده «سرطان البحر» (28/4 ـــــ 29/4)، الذي انتزع جائزة لجنة التحكيم. دراما تدور في المستقبل، حين يجبر الوحيدون على إيجاد شريك خلال 45 يوماً، وإلا تحوّلوا حيواناً من اختيارهم. هذا ليس غريباً عن صاحب «أنياب كلب» (2009 – جائزة قسم «نظرة ما» في المهرجان)، إذ يضرب بجنون أكبر كلّ مرّة. كجرّاح أعصاب متمرّس، يشرّح مجتمعات «الأزمنة الحديثة» ببرود لا يخلو من قسوة، وحزم لا يفتقر الخبث. الكل مأزوم، مريض، مشوّه أو في طريق حتمي لذلك. مثل نيميس، لنتيموس أحد أعضاء نادي «اكتشافات كان». عندما يجد تيري فريمو موهوباً في بلد أوروبي صغير أو أبعد مجاهل أفريقيا، يبقى جاداً في تكريسه ما دام يعمل. هذا جزء من التزامات المهرجان نحو السينما.

يقتبس فيليب فوكون كتابات فاطمة الأيوبي لوضع حياة عائلة مغربية تحت المجهر
من اليونان، ننتظر كذلك «ناهد» (105 د ــــ 26/4 ـــ 30/4 ــ 1/5) لإيدا باناهانديه.
ناني موريتي اسم كبير في الكروازيت، بسعفة عن «غرفة الابن» (2001) وخمس مشاركات سابقة. في «أمي» (102 د ـــ 26/4 ـــ 28/4 ـــ 3/5)، تؤدّي مارغريتا باي (ثالث تعاون بينهما) دور مخرجة تمرّ بأزمات ثقيلة في نفس الوقت. تعمل على فيلم عن البطالة والعمّال، فيسبّب لها ممثّل غريب الأطوار (جون تورتورو في دور لافت) مشاكل لا تنتهي. أمّها تمضي أيامها الأخيرة في المشفى، فيما تعاني ابنتها مع اللغة اللاتينيّة. هي ليست سوى أنا نسائية لموريتي نفسه، الذي يمزج بين الأوتوبيوغرافيا والتراجيكوميديا، لوضع ثلاثة أجيال نسائية على المحك. الأسئلة قابلة للخروج من العائلي والاجتماعي إلى أزمات إيطاليا وأوروبا بالكامل. مع الإحكام الفني نصّاً وإخراجاً وأداءً، يُعدّ «أمّي» خياراً صائباً لمحبّي الجنر الإيطالي.
ماتيو غاروني قادم آخر من بلاد البيتزا. في «حكاية الحكايات» (125 د ــ 1/5)، يقتبس «الحكايات الخرافيّة» للإيطالي غامباتستا بازيلي، لصنع ملحمة كابوسية من القرن السابع عشر، بأداء سلمى حايك وفنسان كاسيل وجون سي. رايلي. صاحب جائزتي لجنة التحكيم الكبرى عن «غومورا» (2008) و«واقع» (2012)، ينتقل من غبار الواقع إلى فانتازيا الخرافات. يهجر عوالم الحقيقة إلى قصور الملوك وخبث المشعوذات ومخابئ الوحوش الغريبة. نحن بصدد ثلاث حكايات متوازيّة: ملكة تريد الإنجاب بأيّ ثمن، وملك يربّي برغوثاً ليصبح وحشاً مرعباً، وآخر مهووس بالجنس دون حساب. إنّه الجشع والشعور الدائم بالنقص، مقابل قوّة القدر ومفارقات الحياة. غاروني يقترح الجانب المظلم من حكايا الجدّات. يتكئ على أفلمة محكمة وديكورات متقنة، لإطاحة سذاجة هوليوود في تبنّي قصص الأطفال. ينتصر لسحر «ألف ليلة وليلة»، دون أن يبلغ مستوى بازوليني في هذا الجنر.
حول الهوية والعائلة والاندماج في مجتمعات أخرى، يدور «فاطمة» (79 د ــ 27/4 ـــ 2/5 ــــ 4/5) لفيليب فوكون. السينمائي الفرنسي من أصل مغربي يقتبس كتابات فاطمة الأيوبي، لوضع حياة عائلة مغربية مهاجرة إلى فرنسا تحت المجهر. فاطمة تعمل دون انقطاع، لتأمين حياة أفضل لابنتيها، حتى لو تطلّب ذلك «غسل أوساخ الآخرين». هي لا تجيد لغة بودلير، كذلك لا تعلم الفتاتان شيئاً عن العربيّة. تشترك في ذلك مع أم فوكون نفسه، ما يمنح الشريط بعداً أوتوبيوغرافياً. صعوبة التواصل تخلق شرخاً، يضاعفه تعرّض فاطمة لطارئ صحي. فرص الاندماج على المحك. هل هو حلم قابل للتحقق؟ سؤال طرحه فوكون سابقاً في «تفكك» (2011)، الذي ناقش ارتباط فرنسيين مسلمين بالإرهاب. «فاطمة» مدجج بطرح إشكالي، وثلاث جوائز سيزار، منها أفضل فيلم، ما يجعله جديراً بالمشاهدة. في الحقيبة الفرنسيّة، نترقّب أيضاً كلاً من «اضطراب» (101 د ــ 29/4 ـــ 30/4 ــ 3/5) لأليس وينوكور، و«صديقان» (100 د ــ 25/4 ــ 27/4 ـــ 29/4) للوي غاريل.

Cannes Coup de Coeur: حتى 4 أيار (مايو) ــــ سينما «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/204080.