«مؤسسة ابن رشد» تتوّج هذا العام المفكّر والاقتصادي المصري الذي قدّم «رؤية من الجنوب تتجاوز الرأسمالية»

دينا حشمت
ليس من أولئك الذين يعتبرون العلم صومعةً يخرجون منها أحياناً بنظرية جديدة. لم يقطع صاحب «التطور اللامتكافئ» صلته بالأوساط النضالية، رغم تركه الحزب الشيوعي المصري بعد تجربة له في عهد عبد الناصر، فلماذا يكتب إن لم يكتب نظرية اقتصادية تؤثر على مسار «الطبقة والأمة في التاريخ وفي المرحلة الامبريالية»؟
سمير أمين الذي يفوز هذه السنة بـ«جائزة ابن رشد» بعد عزمي بشارة ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري ونوري بوزيد ومحمود أمين العالم ونصر حامد أبو زيد... ليس محللاً اقتصادياً عادياً. اشتهر كأحد مفكري «العالمثالثية»، ومفكر «التبعية»، وركز على علاقة «المركز» الامبريالي بالهامش المستعمَر وما شابها من استغلال امتدّ بعد سنوات الكولونيالية ليظهر في أشكال احتكارية جديدة.
لم ينشغل المفكّر المصري بتحليلات اقتصادية نافذة فقط، بل أيضاً بمستقبل المشروع الذي يؤمن بأنه مستقبل البشرية. «يقولون إن القرن العشرين هو قرن فشل الاشتراكية لكنه بالنسبة إلي قرن المحاولة الأولى لتجاوز الرأسمالية» قال في ندوة في فرنسا عام 2008. صحيح أنه أعرب مراراً عن قلقه على مستقبل اليسار الأوروبي الذي «اختفى تقريباً» في مجتمعات أصبحت مجتمعات «توافق» لا «صراع»... وانتقد تحالفات مجموعات يسارية مناهضة للإمبريالية مع تيارات إسلامية، معتبراً أنّ خطاب الإسلام السياسي لا يتعارض مع مصالح رأس المال. إلا أنّ ما ظل الأهم في نظره، هو مستقبل «نصف البشرية». هو ينظر إلى العالم من منظور «فلاحي العالم» الذين يمثلون نصف الإنسانية، كما أكد في ندوة مركز البحوث العربية في القاهرة. يومها قال إن النظام النيوليبرالي لا يضمن شروط استمرار نصف البشرية على قيد الحياة، فما بالك بأن يوفّر للبشرية حياة كريمة.
قد يقول بعضهم إن هذه الحساسية لمسار «فلاحي العالم» تنبع من تاريخه «الماوي»، إذ التحق بدوائر سياسية ماوية في باريس بداية الستينيات قبل أن يعمل مستشاراً للحكومة المالية ومديراً لمعهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادي في داكار. لكن أمين احتفظ بالاهتمامات نفسها حتى بعدما خرجت من بؤرة اهتمام اليسار العالمي. احتفظ بها لاقتناعه بأن نظام النيوليبرالية الجديد «لا يمكنه أن يستمر»، فهو خاضع لـ«دكتاتورية رأس المال» كما قال عام 1991. وبعدما بدأت تظاهرات الغضب ضد العولمة الليبرالية، كان أول المتحمسين وطالب عام 2001 «بإغلاق منظمة التجارة العالمية» ناعتاً إياها بـ«منظمة قطّاع طرق».


نعت «منظمة التجارة العالمية» بـ«تجمّع قطّاع طرق» وطالب بإغلاقها

فيه «تشاؤم الذكاء» و«تفاؤل الإرادة» على حد تعبير غرامشي. تنبأ عام 2008 بأن «النظام سينهار من تلقاء نفسه»، إن لم ينهر بسبب كفاح الطبقات العاملة والشعوب وبأنه دخل مرحلة الأزمة البنوية بسبب تناقضاته الداخلية الخاصة، مسبباً بداية انهيار «عرقوب أخيل» الليبرالية، أي شقها المالي. «لم يكن هذا الكلام نبوءة منجمين»، يقول سمير أمين لـ«الأخبار» «لأنه ببساطة يدخل ضمن تطور الأزمة الطويلة الأمد للرأسمالية الشائخة التي بدأت في السبعينيات». كما ظل يحذّر من «أوهام رأس المال» الذي يدّعي الدخول في مرحلة يمكن له فيها الاعتماد على تنمية لا نهائية لمعدلات الربح.
«مؤسسة ابن رشد للفكر الحر» (مؤسسة مستقلّة تسعى لنشر قيم الحرية والديموقراطية في العالم العربي)، تكافئ غداً محللاً اقتصادياً لم يكتف بإلقاء الكلمات في المنتديات الاجتماعية الأفريقية والعالمية، بل شارك (ولا يزال) في نقاشاتها التأسيسية. محلل احتفظ بقدرة طفولية على التحمّس لكل مبادرة تمكِّن الشعوب من صنع مستقبلها. لذا شارك في مؤتمر المنظمة المصرية لمناهضة العولمة للاحتجاج على زيارة رئيس البنك الدولي سنة 2002. ولم يتردد في السفر إلى الإسكندرية لإلقاء محاضرة أمام مناضلين لا يتجاوز عددهم العشرة. كما ألّف عام 2006 كتاب «من أجل أممية خامسة»، كي «تكون فضاءً مفتوحاً لكل حركات المقاومة وكفاح الشعوب».
هو من المفكرين الماركسيين القلائل الذين كوفئوا من مؤسسات دعم حرية التعبير جنوب المتوسط. والجائزة التي يتسلّمها صاحب «ما بعد الرأسمالية» غداً في برلين، هي تحيّة لمثقّف بارز بين قلّة في العالم العربي، ما زالت تغرّد خارج السرب.

www.ibn-rushd.org