لجائزة «نوبل» (972 ألف دولار) هذا العام نكهةٌ مختلفة. هذه السنة، لم تكن هناك مفاجآت. كان ثمة توافق نادر بين ترشيحات القرّاء والمهتمّين من جانب، والأكاديمية السويدية من الجانب الآخر. نالتها البيلاروسيّة سفيتلانا ألكسييفتش (1948). لا مفاجأة نظرياً، لكنّ المفاجأة كانت في الاسم بحد ذاته. أطاحت ألكسييفتش بالمرشَّحين الدائمين للجائزة، من فيليب روث ونغوجي وا ثيونغو إلى هاروكي موراكامي وكارول جويس أوتس. الفارق هنا أنّ ألكسييفتش أطاحت بالتعريفات السابقة للأدب كلياً. إنها ليست روائيّة بالمعنى المتعارف عليه، بل صحافية استقصائية تكتب نثراً توثيقياً.


«إنه جنس أدبيّ جديد» كما أعلنت السكرتيرة الدائمة الجديدة للأكاديميّة السويديّة سارة دانيوس. «نوبل» هذا العام تحمل بصمتين أنثويّتين: ألكسييفتش ودانيوس. اختفى بيتر إنغلوند السكرتير السابق للأكاديمية قبل أسابيع من إعلان النتيجة، واختفى معه الأدب بصيغته السائدة.
تُميّز ألكسييفتش على نحوٍ قاطع بين الفنّ والواقع. تعتبر الوثيقة صيغةً «أرقى» من الفن. لم تكن الأجناس الأدبية المتعارف عليها تكفيها. لذا حاولت ابتكار «جنس أدبي جديد» يجمع الفن والوثيقة ضمن قالب مختلف. لا نعلم ما إذا كانت الإشكاليّة هنا في تعريف الفنّ بذاته، أم في فهم ألكسييفتش له؛ فهي تعتبر أنّ «تعدّد المظاهر» داخل الإنسان الحديث أكبر من إمكانيّة الفنّ على التعبير. لذا التجأت إلى الوثيقة لأنّها «لا تكذب» على عكس الفن «الكاذب بطبيعته». تعتبر ألكسييفتش أنّ الفن لم يعبّر إلا عن وجهة نظرٍ فرديّة، فيما كان العنصر الوثائقيّ أكثر صدقاً في تمثيل الأصوات البشريّة على تنوّعها وتباينها. ولكنّها تميّز ـــ على نحو قاطعٍ أيضاً ـــ بين البشر، وتكرّس تصنيفاتٍ كنّا نظنّها قد انتهت مع انتهاء الحرب الباردة. لم ينسَ الغرب أنّ شرقاً كاد يحكم العالم، لذا أعاد طرح مقولاته السابقة عن وجود «عقليّة غربيّة متفرّدة» لنجد أصداءها واضحةً عند ألكسييفتش التي تعتبر أنّ جميعنا، أي «الناس القادمون من الاشتراكيّة لا يمكن مقارنتنا بالناس القادمين من الغرب. لدينا أفكارنا الخاصة عن الخير والشر، عن الأبطال والضحايا»، ولكن ليس هذا الاختلاف بمعنى التنوّع بل التمايز، لأننا «مليئون بالكراهية والتّحامل».


حاولت ابتكار «جنس أدبي جديد» يجمع الفن والوثيقة

ألكسييفتس منشقّة لو جاز التعبير. وهي لا تُخفي هذه «الكراهية والتحامل» بدورها حين تُسبغ تعريفاً أوحد مستمداً من القاموس الغربيّ الليبرالي بالضرورة، إذ تعتبر أنّ «الاشتراكيّة والفاشيّة هما فكرتا القرن العشرين. إنهما شديدتا التضليل والإغواء»، وهما بمثابة «لحظة عمى» تستنكر بقاءها إلى اليوم داخل «كل روسي». فالروسي ليس إلا «إنساناً أحمر صغيراً» لم يرتقِ إلى مستوى فهم البيرسترويكا وتطبيقها، بل «تابع عيشه مع إحساس بالهزيمة»، ليتجلّى هذا الإحساس في حروبٍ مستعادة، ويصبح الماضي الشيوعيّ لروسيا حاضراً ماثلاً بصيغة «غولاك جديد»، ويصبح الوقت «مُستعمَلاً ومستعاداً» كأنه لم يتقدّم، كأنّ الاتحاد السوفياتيّ لا يزال موجوداً إلى اليوم.
قد يبدو منح «نوبل» هذا العام إلى ألكسييفتش بمثابة صفعة غير مباشرة لبوتين الذي تعتبره مجرد ضابط «كي. جي. بي». لكنّ الصورة أكثر تركيباً، فالصفعة ليست لبوتين بقدر ما هي موجَّهة للحركات اليساريّة المُستعادة في أوروبا والولايات المتحدة على جميع المستويات الأكاديميّة والفكريّة والأدبيّة. لا يزال طيف ماركس ماثلاً بقوّة في الاحتجاجات الشبابيّة من اليونان إلى وول ستريت، عدا عن التحوّلات السياسيّة الكبيرة التي بدأت تُعيد تقسيم المجتمع إلى جماعتين متمايزتين ومتنافرتين بحدّة: اليمين المتطرّف واليسار الذي يحاول «رَدْكَلَة» نفسه مرةً أخرى. الحركتان تتعاظمان بالدرجة ذاتها تقريباً، ولذا ليس ثمة مهرب إلا باللجوء إلى «الخيار الثالث»، أي ليبراليّة بنكهةٍ يساريّة أو رأسماليّة «مُخفَّفة». لم تكن الصفعة موجَّهةً إلى حقل السياسة كما يبدو الأمر للوهلة الأولى بل إلى الحقل الثقافيّ والفكري، بخاصة هذا الحقل الذي بدأ منذ العام 2005 تقريباً باستعادة كارل ماركس بقوّة. إنها صفعة لآلان باديو، وفريدريك جيمسن، وديفيد هارفي، وجان- لوك نانسي، وجياني فاتيمو. هذه «وثيقة» أيضاً، لكنّ ألكسييفتش لم ترها، بل تماهتْ مع التقسيم الليبرالي للعالم اليوم.
تقدّم ألكسييفتش في كتبها صورةً مختلفةً عن الصورة التي تريد وسائل الإعلام السائدة والسلطات المكرَّسة ترسيخها. بدءاً من كتابها الأول «وجه الحرب غير النسوي» (1985)، وصولاً إلى كتابها «وقتٌ مُستعمَل: زوال الإنسان الأحمر» (2013)، تحاول ألكسييفتش أن تُنطق ضحايا الحرب غير المُعلَنين من النساء إلى الأطفال والبيئة («أولاد في الزنك» شهادات مباشرة من الحرب السوفياتية الأفغانية»، و»أصوات من تشيرنوبل، تاريخ شفاهي للكارثة النووية»)، والسيكولوجيا البشريّة بذاتها، أكان هذا تحت وطأة الحرب السوفياتية المباشرة، بدءاً من الحرب العالمية الثانية، أو غير المباشرة، في تأثيرها على أطفال أفغانستان. المشكلة هنا هي الانتقائيّة. لم تكن الحروب سوفياتيّة محضة، لا الحرب العالميّة الثانية ولا أفغانستان ولا حتى أوكرانيا. ثمة طرف آخر تتعامى عنه حاملة «نوبل» التي نالت الجائزة العريقة عن «كتاباتها متعددة الأصوات التي تمثل معلماً للمعاناة والشجاعة في زماننا» على ذمة بيان الأكاديمية السويدية.
جديد «نوبل»؟: لا جديد عموماً. ثمة تنويعات على أفكار قديمة، «مستعملة» هي أيضاً. الجائزة لا تزال «بيضاء» في الغالب الأعمّ، ولم تعد معبّرةً حقاً عن ألوان الطيف الأدبيّة والثقافيّة في العالم. كلّ ما هناك أنّ الغرب بدأ يشعر بالذنب. «نوبل» لم تعد أكثر من تعبيرٍ عن التكفير عن الذنب الغربي عبر منح جائزةٍ غربيّة لـ «آخر» يشبه الغرب، حتى لو لم يكن غربياً. «الوثيقة لا تكذب أبداً»؛ كذا تكلَّمتْ سفيتلانا.