حين سُئل المعارض البولوني السابق آدم ميشنيك عمّا هو أسوأ من الاشتراكية أجاب: «ما يحدث بعدها» وهذا جليّ في العاصمة البيلاروسية مينسك، حيث تبدو مثل متحف للمستهلك الشيوعي تزين طرقها المهجورة إعلانات مكهربة للأسمدة والمعادن الوطنية وتباع في «متجر الدولة العالمي» كل أنواع الأسماك المعلبة من الحقبة السوفياتية.


إلى جانب الكونياك الأرمني والفودكا الروسية، نجد زجاجات الشامبانيا الحلوة جداً، التي كانت ترافق ولائم الاتحاد السوفياتي. هذه المنتوجات التي تثير الحنين بالكاد توجد اليوم في موسكو. غير بعيد من مجمع ستالين المكرس لذكرى الحرب العالمية الثانية، وحروفه العملاقة «إنجاز الشعب خالد» تقطن الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفتش الحائزة نوبل للآداب لعام 2015
تسترجع ألكسييفتش من خلال رواياتها حقبة من التاريخ الخاص بروسيا البيضاء. تقوم بذلك من خلال الاتكال على ما تعتبره حقائق أرشيفية، لتصوغ لغتها الروائية من دون أن تبتعد قيد أنملة عن الحدث العام (مأساة الحرب)، الذي لا يلبث أن يتخذ زاوية خاصة جداً، تعتبرها الروائية كافية لبناء عمل أدبي، انطلاقاً من كارثة تشرنوبيل أو الحرب في أفغانستان. تعيد السؤال عن لغز النوستالجيا إلى الإشتراكية وما يعتبره الجيل الجديد حرماناً من ملكية الأجداد.
ماذا يحدث في أذهان الناس بعد معركة ستالينغراد أو إثر انفجار تشرنوبيل؟ يبدأ عمل ألكسييفتش تحديداً حيث ينتهي عمل المؤرخ، تقول «أنا لا أكتب تاريخ الأحداث ولكن تاريخ الأرواح» وتمثل جدتها التي كانت تزروها كل صيف في أوكرانيا، الذاكرة أو الأرشيف الحي. وهي تشكل بالإضافة إلى الوثائق التي تعتمدها ألكسييفتش، كمّاشة للقبض على الحقيقة. حدّثتها عن المجاعة الجماعية الكبرى (أو باللغة الأوكرانية «هولودومور» أي« القتل بالتجويع») المدبرة من قبل البلاشفة عامي 1932 و 1933 وكانت تغني أغاني الجبهة المريضة بالحنين إلى الوطن وتشير إلى الفلاحين الذين التهموا أبناءهم خلال الإبادة الجماعية.
درست ألكسييفتش الصحافة لتعمل مراسلة في بلدة نافارو واكتشفت أعمال الكاتب البيلاروسي أليس أداموفيتش الذي طوّر أسلوب «الرواية الجماعية» وكان يجوب الأرياف بحثاً عن ناجين من القرى التي أُحرقت على يد النازيين خلال الحرب ويقوم بتسجيلها. من خلال أرشفة المادة البصرية – السمعية بالكتابة، عثرت على شكل أدبي تستطيع اعتماده وبدأت بجمع آلاف الحوارات مع نساء عايشن الحرب العالمية الثانية لتصدر كتابها الأول "وجه الحرب غير النسوي" (1985).
ما أثار دهشتها أنّ أغلب هؤلاء النسوة كنّ يشفقن على الألمان ويتحدثن عن الأشجار والطيور كضحايا «بشرية»، في حين كرّس أدب الحروب شعارات النصر واستخدم المرأة كزينة لمآثر الجنود. تنحاز ألكسييفتش لحكايا النساء الأميات «لأن المتعلمات يستخدمن مصطلحات تحددها الكتب والصحف الرسمية»، لكن لغة الناس البسطاء وليدة الألم والحكمة والموهبة وقد لاحظت. وفي وقت لاحق، بعد كارثة تشرنوبيل، يتخبّط العلماء والمفكرون في الجنون والإحباط، في حين يحافظ الناس البسطاء على رباطة جأشهم. من هنا، تحتل الرواية مكانة من حيث اعتمادها السرد الشفوي، كمصدر أساسي للمعلومات، إضافة إلى أنّ هذا الأمر يشكل دعامة لسقف الواقعية التي تشتغل تحته ألكسييفتش، وخصوصاً أنها روائية تقف وجهاً لوجه أمام موضوع جاهز، سواء أكان قضية سياسية أم إنسانية. لكن هذا الخط الوحيد للسرد، والخارجي، تتفرع منه خطوط ضمنية للحدث الواحد، فتتداخل بين التاريخي – السياسي من جهة، والإنساني – الفردي من جهة أخرى
التاريخ يبرهن أنّ العمل الفني الذي يستهلك الحدث التاريخي، يضمحل تدريجاً ويموت. لا تتقوقع أعمال ألكسييفتش في الهوية، بل في التجربة الانسانية. إنها تختصر رغبة في تقليص العنف رغم أنها تتجه من الواقع إلى الواقعية المفرطة
في "أولاد في الزنك: شهادات مباشرة من الحرب السوفياتية الأفغانية" (1990) الذي تصور فيه الحرب السوفياتية في أفغانستان ومصير الشبان الذين ظنوا المشاركة في حرب كبيرة في سبيل المثل العليا النبيلة وغُرر بهم ليتحوّلوا إلى ماكينات قتل، حيث يفرغ فعل القتل الفيزيولوجي من أي غاية ليصبح شبيهاً بالعدم.
لن تكون الهوية موضوعاً أساساً للمعالجة، بل هي تفصيل يأتي في سياق تعقيدات تحيط به ومحرمات تفرضها المؤسسة الدينية والسلطة العسكرية. في «أصوات من تشرنوبيل، تاريخ شفاهي للكارثة النووية"، تشدّد ألكسييفتش على إبراز السرد والجملة غير المغلّفة بجماليات تركيبية وتشبك خيوط معجمها مع الكوني والانساني بأعلى كثافة عاطفية ممكنة لتضعنا في مواجهة أناس مكسورين بين الحب والبلاد، الحضور والاغتراب، الذاكرة والحاضر، والنسيان والتمدد في مكان متخيل. يقولون بوضوح شديد إنّ التقدم التقني هو مسار الانتحار ويدفنون العصافير التي تعرّضت للاشعاع النووي. حتى الهواء غير قابل للإصلاح. لم تعد الطبيعة تشبه أي شيء معروف: برك الماء تتخذ ألواناً لا تصدق «سوداء، صفراء، خضراء بلون الفلورسنت» ولون الدم يغطّي أشجار الصنوبر والتنوب ويتقاسمه الناس كمصير محتوم".
ثمة سؤال لا يُولد إلا من رحم الحرب: كيف يتحول الشبان المثاليون إلى قادة متعطشين للدماء؟ سفيتلانا الطفلة اطّلعت على مذكرات كبار الثورة الروسية. الرئيس المستقبلي للشرطة السياسية يلكس دزيرجينسكي، على سبيل المثال كان شاباً مشرقاً يحلم بالتجديد وفي سعيه لتأطير الوطن بل تكسيره وإفراغه من المعايير الأخلاقية أو الإلتزامات التربوية، ليصبح مفهوماً نسبياً، لا يرسو في مربّع، تتدخل فيه الظروف، ويقاس بحسب الزاوية التي تنظر منها شريحة اجتماعية إليه. كان بديهيّاً أن تختتم روايتها «زوال الإنسان الأحمر» بمقولة للفيلسوف فيودور سيبتون «علينا أن نضع نصب أعيننا أن المسؤولين عن إعلاء راية الشر في العالم ليسوا خدمانه العميان ولكنها تلك العقول النيرة التي تخدم الخير».